الجنوبي
05-12-2003, 02:51 PM
أجاب الدفان:
«سآخذك الى مكان لم يخطر على بالك، سأريك قبر آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر».
لم أدرك جيدا ما سمعت. وتمتمت:
أجننت؟ من أين لك هذا، والعراقيون حتى الأمس القريب يرددون في كربلاء بمناسبة اربعينية الإمام الحسين «هلّه هلّه الصدر وينه.. ضيعوا قبره علينا»، قبل ثلاثة أسابيع فقط: أدرك جيدا ان مصير السيد محمد باقر الصدر يمثل قمة المأساة التي عاشها الشيعة العراقيون في ظل حكم صدام. فلقد تم إعدام هذا المرجع الكبير في عام 1980، عقب اعتقاله مع شقيقته بنت الهدى وقيل ان صدام هو الذي قتل هذا المرجع الديني، وقــيل ان نائبه عزة الدوري هو الذي تولى المهمة القذرة، بينما آفادت رواية ثالثة أن صدام أطلق الرصاصة الأخيرة على الشهيد بحضور الدوري وقيل ايضا ان صدام أمر باحراق لحية الشهيد تشفيا، وسمل عينيه، وغرزوا في رأسه مسمارا قبل ان يطلقوا الرصاص عليه.
والشائع بين الناس ان جثة الإمام الصدر لا اثر لها، وان لا قبر له.
تذكرت كل هذا وأنا أفكر بما سمعت من الدفان.
لكن عباس أصر بعناد:
ـ سوف ترى.
لم تمض سوى دقائق معدودة حتى وصلنا الى بقعة من الأرض أعدت خصيصا لاحتضان رفات الصدر التي تم نقلها من قبره السابـــق الذي كان دفــــن فيه بــين القبور باشراف جلاوزة الأمن الصــدامي. وهو مكان قريب من مكتـــب الاستـــعلام عند المدخــل الغربي لمقبرة وادي السلام.
سألت أحد الذين نقلوا الرفات من قبره القديم فورا بعد سقوط النظام في ابريل الماضي عما اذا كانوا عثروا على شيء من مقتنيات الصدر التي بقيت معه ساعة دفنه؟
رد عليّ احدهم بكلمة نعم واثقة موضحا، «لقد وجدنا خاتمه الذي كان يضعه في خنصره بيده اليمنى منقوشا عليه اسم «محمد» تيمنا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
> هل يمكن ان أراه؟
ـ كلا ابدا، هذه الأمور موقوفه على مجيء نجله السيد جعفر الصدر من مدينة قم قريبا لنقوم بتسليمه له.
> كيف تم العثور على رفات الصدر والجميع كان يتحدث عن محاولات جرت دون جدوى من أجل التعرف على قبره؟.. بهذا السؤال توجهت الى الدفان الذي جاء بي الى هذا المكان.
ـ ساشرح لك تفاصيل القصة كما هي بالصورة التالية:
> هل تعرف انت التفاصيل حقا؟
ـ طبعا، لأن أخي الأكبر هو الذي دفنه عقب يوم من مقتله على يد النظام، وهو الذي عرّف الآخرين بمكان القبر.
> كيف؟
ـ في الشهر الرابع من عام 1981 طرق باب منزلنا في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا كل من مفوضي الأمن جبار سعد حميد، وفاضل صاحي فرز علي، وطلبا من أخي التوجه معهما الى المقبرة القديمة بدعوى ان عندهما جنازة يريدان دفنها، ولما وصلوا الى هناك سأله المفوضان عما اذا كان يعرف اسم هذا المسجى، فاجابهم «نعم أعرفه انه محمد باقر الصدر».
فقال المفوضان «طيب بما اننا رجال أمن لا يمكن ان نتحدث لأحد بالأمر، فانك المسؤول وحدك اذا ما سمعنا بهذا الموضوع، أو انتقل الخبر، ولذا يجب ان توقّع على هذا التعهد الذي يقضي باعدامك حال سماعنا بنبأ دفنه، وحينها لم يجد أخي بدا من التوقيع الذي ظل يؤرقه طيلة فترة حكم صدام مخافة ان يشي احد المفوضين بالأمر ويحمله المسؤولية.
كما عمدت مديرية أمن النجـــــف طيـــــلة هذه السنوات الى استدعاء أخي كل ستة أشهر للتوقيع مجددا على هـــذا التعهد.
وفي عام 1986 استدعي أخي الى خدمة الاحتياط العسكرية ابان الحرب العراقية ـ الايرانية فخشي ان يقتل في هذه الحرب ويضيع قبر الصدر، فتوجه الى شخصين يثق بهما واخبرهما بالأمر، مشترطا عليهما اداء القسم عند مرقد الإمام علي بعدم افشاء هذا السر لكي يدلهما على القبر، وعقب ادائهما اليمين امامه توجه بهما في منتصف الليل ودلهما عليه، مؤكدا انه قد نزع الخاتم الذي كان بخنصر السيد الصدر ودسه في الكفن ليظل علامة دالة على قبرة ورفاته.
وفي عام 1991 ابــان الانتــــفاضة الشـعبية ضد النظام المقبور قام رجال الامن باقتياد اخي من منطـــــقة خان المخـــــضر في النجف واعتـــــــقاله من اجــــل التحقيق معه حول ما اذا كان تحدث لأحد حول مكان قبر السيد الصدر، فنفى ذلك جملة وتفصيلا فافرج عنه بعد ان تحمل انواع التعذيب.
«لقد اضطر أخي لأن يخفي هذه المرة الحقيقة»، كما قال عباس بلاش. وأضاف: لقد اتفقت مع اخي أن الظروف لم تكن تسمح بعد الانتفاضة بأن نستمر في حمل السر وحدنا. واتفقنا على ابلاغ نفر قليل من أقرب انصاره، وعمدنا تحت جنح الظلام إلى نقل الجثمان إلى مكان آخر على بعد ثلاثة آمتار من الأول.
وقد صدق حدسنا حيث قام رجال الأمن بعد عودة سيطرة نظام صدام على المدينة بهدم القبر الاول اعتقادا منهم أن الجثة مازالت فيه!
وهكذا ظل الامر طي الكتمان حتى حانت ساعة الخلاص من صدام ونظامه المجرم فبادر أخي الى كشف هذه الحقيقة بكافة ملابساتها ومعاناتها التي تحملناها كل تلك السنوات.
وبادر نفر من اصدقائه الذين حملوا السر معنا إلى إعادة تكفين الجثمان، ومن ثم دفنه في هذه البقعة الجديدة لتكون مزاراً.
> > >
نعم الحزن وحده يهز اطراقة الصحراء النجفية، ويحثو رمال الرذيلة بوجه صدام وزبانيته المجرمين.
«سآخذك الى مكان لم يخطر على بالك، سأريك قبر آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر».
لم أدرك جيدا ما سمعت. وتمتمت:
أجننت؟ من أين لك هذا، والعراقيون حتى الأمس القريب يرددون في كربلاء بمناسبة اربعينية الإمام الحسين «هلّه هلّه الصدر وينه.. ضيعوا قبره علينا»، قبل ثلاثة أسابيع فقط: أدرك جيدا ان مصير السيد محمد باقر الصدر يمثل قمة المأساة التي عاشها الشيعة العراقيون في ظل حكم صدام. فلقد تم إعدام هذا المرجع الكبير في عام 1980، عقب اعتقاله مع شقيقته بنت الهدى وقيل ان صدام هو الذي قتل هذا المرجع الديني، وقــيل ان نائبه عزة الدوري هو الذي تولى المهمة القذرة، بينما آفادت رواية ثالثة أن صدام أطلق الرصاصة الأخيرة على الشهيد بحضور الدوري وقيل ايضا ان صدام أمر باحراق لحية الشهيد تشفيا، وسمل عينيه، وغرزوا في رأسه مسمارا قبل ان يطلقوا الرصاص عليه.
والشائع بين الناس ان جثة الإمام الصدر لا اثر لها، وان لا قبر له.
تذكرت كل هذا وأنا أفكر بما سمعت من الدفان.
لكن عباس أصر بعناد:
ـ سوف ترى.
لم تمض سوى دقائق معدودة حتى وصلنا الى بقعة من الأرض أعدت خصيصا لاحتضان رفات الصدر التي تم نقلها من قبره السابـــق الذي كان دفــــن فيه بــين القبور باشراف جلاوزة الأمن الصــدامي. وهو مكان قريب من مكتـــب الاستـــعلام عند المدخــل الغربي لمقبرة وادي السلام.
سألت أحد الذين نقلوا الرفات من قبره القديم فورا بعد سقوط النظام في ابريل الماضي عما اذا كانوا عثروا على شيء من مقتنيات الصدر التي بقيت معه ساعة دفنه؟
رد عليّ احدهم بكلمة نعم واثقة موضحا، «لقد وجدنا خاتمه الذي كان يضعه في خنصره بيده اليمنى منقوشا عليه اسم «محمد» تيمنا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
> هل يمكن ان أراه؟
ـ كلا ابدا، هذه الأمور موقوفه على مجيء نجله السيد جعفر الصدر من مدينة قم قريبا لنقوم بتسليمه له.
> كيف تم العثور على رفات الصدر والجميع كان يتحدث عن محاولات جرت دون جدوى من أجل التعرف على قبره؟.. بهذا السؤال توجهت الى الدفان الذي جاء بي الى هذا المكان.
ـ ساشرح لك تفاصيل القصة كما هي بالصورة التالية:
> هل تعرف انت التفاصيل حقا؟
ـ طبعا، لأن أخي الأكبر هو الذي دفنه عقب يوم من مقتله على يد النظام، وهو الذي عرّف الآخرين بمكان القبر.
> كيف؟
ـ في الشهر الرابع من عام 1981 طرق باب منزلنا في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا كل من مفوضي الأمن جبار سعد حميد، وفاضل صاحي فرز علي، وطلبا من أخي التوجه معهما الى المقبرة القديمة بدعوى ان عندهما جنازة يريدان دفنها، ولما وصلوا الى هناك سأله المفوضان عما اذا كان يعرف اسم هذا المسجى، فاجابهم «نعم أعرفه انه محمد باقر الصدر».
فقال المفوضان «طيب بما اننا رجال أمن لا يمكن ان نتحدث لأحد بالأمر، فانك المسؤول وحدك اذا ما سمعنا بهذا الموضوع، أو انتقل الخبر، ولذا يجب ان توقّع على هذا التعهد الذي يقضي باعدامك حال سماعنا بنبأ دفنه، وحينها لم يجد أخي بدا من التوقيع الذي ظل يؤرقه طيلة فترة حكم صدام مخافة ان يشي احد المفوضين بالأمر ويحمله المسؤولية.
كما عمدت مديرية أمن النجـــــف طيـــــلة هذه السنوات الى استدعاء أخي كل ستة أشهر للتوقيع مجددا على هـــذا التعهد.
وفي عام 1986 استدعي أخي الى خدمة الاحتياط العسكرية ابان الحرب العراقية ـ الايرانية فخشي ان يقتل في هذه الحرب ويضيع قبر الصدر، فتوجه الى شخصين يثق بهما واخبرهما بالأمر، مشترطا عليهما اداء القسم عند مرقد الإمام علي بعدم افشاء هذا السر لكي يدلهما على القبر، وعقب ادائهما اليمين امامه توجه بهما في منتصف الليل ودلهما عليه، مؤكدا انه قد نزع الخاتم الذي كان بخنصر السيد الصدر ودسه في الكفن ليظل علامة دالة على قبرة ورفاته.
وفي عام 1991 ابــان الانتــــفاضة الشـعبية ضد النظام المقبور قام رجال الامن باقتياد اخي من منطـــــقة خان المخـــــضر في النجف واعتـــــــقاله من اجــــل التحقيق معه حول ما اذا كان تحدث لأحد حول مكان قبر السيد الصدر، فنفى ذلك جملة وتفصيلا فافرج عنه بعد ان تحمل انواع التعذيب.
«لقد اضطر أخي لأن يخفي هذه المرة الحقيقة»، كما قال عباس بلاش. وأضاف: لقد اتفقت مع اخي أن الظروف لم تكن تسمح بعد الانتفاضة بأن نستمر في حمل السر وحدنا. واتفقنا على ابلاغ نفر قليل من أقرب انصاره، وعمدنا تحت جنح الظلام إلى نقل الجثمان إلى مكان آخر على بعد ثلاثة آمتار من الأول.
وقد صدق حدسنا حيث قام رجال الأمن بعد عودة سيطرة نظام صدام على المدينة بهدم القبر الاول اعتقادا منهم أن الجثة مازالت فيه!
وهكذا ظل الامر طي الكتمان حتى حانت ساعة الخلاص من صدام ونظامه المجرم فبادر أخي الى كشف هذه الحقيقة بكافة ملابساتها ومعاناتها التي تحملناها كل تلك السنوات.
وبادر نفر من اصدقائه الذين حملوا السر معنا إلى إعادة تكفين الجثمان، ومن ثم دفنه في هذه البقعة الجديدة لتكون مزاراً.
> > >
نعم الحزن وحده يهز اطراقة الصحراء النجفية، ويحثو رمال الرذيلة بوجه صدام وزبانيته المجرمين.