مشاهدة النسخة كاملة : البداء
جعفر المالكي
09-06-2003, 06:18 AM
استذانا العزيز السيد صادق ....
اولا : الحمد لله على رجوعكم الى ارض الوطن وان شاء الله تكون عمرة مقبولة ...
ثانيا : ارجو ان تجيب عن تساؤلاتي التالية بشي من الشرح المفصل وذلك لتوضيح الصورة ...
ما هو البداء ؟؟( التعريف )
هل البداء يستلزم وصف الباري عز وجل بالجهل ( تعالى الله عن ذلك )؟؟
وكما قلت ارجو منك ان تتعمق قليلا في الشرح ...
حتما ستزول
السيد صادق
09-07-2003, 12:47 AM
السلام عليكم
في مقام الإجابة عن سؤال الأخ الكريم أحببت أن انقل هذا الجواب عن كتاب مركز الرسالة الذي يتحدث فيه عن البداء بتفصيل علمي قيّم ، فإليكموه ، والله الموفّق .
البَدَاءُ وعلم الله تعالى
إعلم بأنَّ إنكار اليهود للنسخ إنّما هو لاعتقادهم بأنّه خلاف الحكمة ولا يصدر إلاّ عن جهلٍ بالمصالح والمفاسد، وهذا هو ما صرّح به الغزالي، والرازي وغيرهما من رؤوس الاشاعرة (1).
ولما كان البداء ـ بمعناه السلبي ـ يلتقي مع فهم اليهود للنسخ، فعدّوه أيضاً دالاً على خلاف الحكمة كالنسخ ايضاً.
بل تذرعوا في إنكار النسخ بكونه بَدَاء، والبَدَاء إنّما يتصور بحق من يجهل عواقب الاُمور، والله تعالى منزّه عنه. وهذا القدر مصرّح به في كتب الاَشاعرة وغيرهم (2).
الافتراء على الشيعة بتعريف البَدَاء
فإذا علمت هذا، فاعلم أنَّ خصوم الشيعة تدّعي زوراً بأنّ البداء عند الشيعة يستلزم تغيير علم الله عزّ وجل، وهذا لا يجوز، بل وذهبوا إلى أنّ لازمه الجهل على الله تعالى؛ لاَنّ معنى البداء لغة ظهور الشيء بعد خفائه.
بل افترى بعضهم على الشيعة بوقاحة عجيبة فقال ما نصه: «والبداء عند الشيعة أن يظهر ويبدو لله عزّ شأنه أمر لم يكن عالماً به».
وهذا المفتري هو محمّد مال الله البحريني افترى ذلك في كتابه (موقف الشيعة من أهل السُنّة) ص28، وكرّر هذا الافتراء في كتابه (الشيعة وتحريف القرآن) ص12 بلا أدنى تغيير مشيراً في هامش الكتابين إلى كتاب أصل الشيعة واصولها ص 231 مع حصر ما ذكره بين قوسين لاِعلام القاريء بنقل هذا الكلام من كتاب (أصل الشيعة واُصولها) للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء؛.
وللاَسف أنْ نجد عند غيره هذا الافتراء نفسه (3) .
تزييف هذا التعريف وبيان وقاحة مفتريه
ولكنّك إذا ما عدت إلى (أصل الشيعة واُصولها) ستجد الشيخ آل كاشف الغطاء قد قال ما نصه: «ومما يشنع به الناس على الشيعة ويزدرى به عليهم أمران:
الاَول: قولهم بالبداء، تخيّلا من المشنعين: أن البَدَاء الذي تقول به الشيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو لله عز شأنه أمراً لم يكن عالماً به» !
راجع أصل الشيعة واُصولها:
1 ـ طبعة القاهرة لسنة 1958 م، ص231.
2 ـ طبعة ايران ـ قم لسنة 1410 هـ، ص231 (اُوفست عن طبعة القاهرة).
3 ـ طبعة النجف الاَشرف لسنة 1969 م، ص179.
4 ـ طبعة مؤسسة الاَعلمي في بيروت لسنة 1983 م، ص148.
5 ـ طبعة مؤسسة الاِمام عليّ عليه السلام، بتحقيق الاُستاذ علاء آلجعفر، لسنة 1415 هـ، ص313.
فانظر كيف تلاعب بالنص فحذف صدره، وأطلق ذيله غير آثم ولا متحرج، مع أنّ الشيخ آل كاشف الغطاء عقّب على ذلك التشنيع في أصل كتابه مباشرة فقال: «وهل هذا الا الجهل الشنيع، والكفر الفظيع؟ لاستلزامه الجهل على الله تعالى، وأنّه محل للحوادث والتغيرات، فيخرج من حضيرة الوجوب إلى مكانة الامكان..».
وهكذا تجد المشنّعين على الشيعة يفترون عليهم بالاَباطيل التي لا أصل لها في عقائدهم ولا في تفكيرهم، منهم البلخي على مانقله الشيخ الطوسي في تفسيره (4)، والغزالي (5)، والرازي (6)، والآمدي (7) ، مع أنّ إمامهم الاَشعري صرّح بأنّ (الرافضة) افترقت في هذا على ثلاث فرق، ونسب إلى الثالثة أنّها لا تجوّز على الله تعالى البداء قال: «وينفون ذلك عنه» (8)حف.
نفي الجهل عن ساحته تعالى
أقول: لا يوجد في تاريخ الشيعة من ينسب البداء ـ بمعنى ظهور الشيء بعد الجهل به ـ إلى الله تعالى قط، لاقديماً ولا حديثاً، بل حتى فرق الشيعة البائدة التي كفّرها أئمة اهل البيت عليهم السلام مع سائر علماء الاِمامية، لم يؤثر عنهم ذلك الا ما ينقله بعض المتعصبين والمشنعين من مخالفيهم.
نعم نسب هذا إلى فرق المجسمة والمشبهة لما لديهم من المقالات التي هي أشبه بالخرافات منها بالديانات حتى قال بعضهم كما في ملل الشهرستاني: «اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك» (9) !! تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً، وكبر مقتا ان يقولوا على الله زوراً وكذباً مالا يعلمون.
هذا، وإذا ما رجعت إلى كتب الشيعة العقائدية بل وحتى الحديثية ستجد التصريح بخلاف هذا المدّعى تماماً، مع تكفيرهم لكلِّ من يزعم بأنّ الله سبحانه يبدو له عن جهل.
ففي الكافي بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام ما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له (10)
وعنه عليه السلام إنّ الله لم يبدُ له من جهل (11).
وعنه أيضاً وقد سأله منصور بن حازم (هل يكون اليوم شيءٌ لم يكن في علم الله بالاَمس ؟ قال عليه السلام: لا، من قال هذا فأخزاه الله. قلت: أرأيت ما كان وما كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله ؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق(12) .
علم الله تعالى عند الشيعة الاِمامية
فإذا انضم هذا إلى أقوال علماء الشيعة في علمه تعالى، علم المقصد بأنّه ليس كما يزعم هؤلاء المفترون، قال الشيخ المفيد: «إنّ الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه، وأنّه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوماً إلاّ وهو عالم بحقيقته، وأنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الاَرض ولا في السماء وبهذا اقتضت دلائل العقول، والكتاب المسطور والاَخبار المتواترة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مذهب جميع الاِمامية» (13) .
ولا حاجة لنقل أقوال علماء الشيعة في هذا، ولا بأس بالاِشارة إلى بعض المصادر والمراجع المهمة التي أشارت إلى فرية العامّة وردتها بأنصع الاَقوال، مصرحة بأنّ علم الله تعالى أحاط بالاَشياء قبل خلقها إحاطة تامّة بل وفوق مستوى الاِحاطة إنْ صحَّ التعبير.
راجع: الذريعة للسيد المرتضى (ت 436 هـ) 1: 128، وتقريب المعارف للحلبي (ت 447 هـ): 41، والرسائل العشر للشيخ الطوسي (ت460 هـ): 94، والاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد له أيضاً: 39، ومتشابه القرآن لابن شهر آشوب (ت 588 هـ) 1: 50، وتجريد الاعتقاد لنصير الدين الطوسي (ت 672 هـ): 192، وكشف المراد للعلامة الحلي (ت726 هـ): 310، والباب الحادي عشر له أيضاً: 13، والنافع في يوم الحشر للمقداد السيوري (ت 826 هـ): 13، وإرشاد الطّالبين له أيضاً: 197، والقبسات للسيد الداماد (ت 1041 هـ): 135 و 325 و 418، والحكمة المتعالية في الاَسفار العقلية الاَربعة لصدر المتألهين (ت1050هـ) 6: 175، وحق اليقين للسيد عبد الله شبر (ت 1242 هـ) 1: 63، والاء الرحمن للشيخ البلاغي (ت1352هـ) 1: 227، ومسألة في البداء له أيضاً: 18، ونقض الوشيعة للسيد الاَمين (ت 1373 هـ): 515، ومعالم الفلسفة الاِسلامية لمحمّد جواد مغنية (ت 1401 هـ): 112 و 114، وبداية الحكمة للسيد الطباطبائي (ت1402 هـ): 164، والميزان له أيضاً 15: 189، والبداء عند الشيعة للعلاّمة السيّد عليّ الفاني الاصفهاني (ت 1409 هـ): 63، ومبحث البداء في التكوين في كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي (ت 1413 هـ): 390، والبداء عند الشيعة للسيد محمّد كلانتر: 56، والبداء في ضوء الكتاب والسُنّة للشيخ السبحاني: 121، ودفاع عن الكافي للسيد ثامر العميدي 2: 7 ـ 213 وغيرها، وإذا ما قورِنَت أقوالهم بعقيدتهم في الصفات على ما هو معلوم من جعلهم صفة العلم صفة ذاتية.. بالاِجماع، تأكّد لك أنّه يستحيل في عقيدة الشيعة تغيير علم الله عز وجل بالبداء الذي يقولون به.
توضيح في اطلاق البداء على الله تعالى
إنّ إطلاق البَدَاء على الله تعالى لا يلزم منه أدنى محذور بعد شرح هذه اللفظة بما يناسب أقوال أهل البيت عليهم السلام التي مرّت آنفاً، فهم قد نفوا ما زعمه خصوم الشيعة نفياً قاطعاً، وكفّروا من خالفه، وعلى هذا أفتى الفقهاء من الشيعة بأنّ القائل بجواز الجهل على الله تعالى من حيث إطلاق البداء عليه بمعنى الظهور بعد الجهل فهو كافر، وفي الكتب التي أشرنا إليها سابقاً تصريحات ضافية بهذه الحقيقة مع بيان فتاوى فقهاء الشيعة بهذا فلا حاجة إلى إعادة ما فيها، غير أنّا نريد أن نبين بأنّ المعنى المقصود من لفظة (البَدَاء) في كلمات أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكما أعلنته المصادر الشيعية المتقدمة هو معنىً آخر غير المعنى المحال على الله سبحانه، نظير ما ورد في القرآن الكريم من ألفاظ (المخادعة) و (المكر) و (النسيان) و (الكيد) ونحوها من الاَوصاف التي يتنزه عنها تعالى بالاتفاق (14).
ولهذا جاء في الصحيح عن الاِمام الباقر عليه السلام بعد أنْ سأله زرارة عن قوله تعالى: (وَما ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أنفُسهم يَظلِمُون) (15)، قال عليه السلام: إنّ الله تعالى أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يُظلَم، ولكنّه خَلَطَنَا بنفسه فَجَعَلَ ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته حيث يقول: (إنّما وَلِيُكُم اللهُ ورَسُولُهُ والَّذينَ آمَنُوا) يعني: الاَئمة منا (16)
وقد روي نظير هذا عن الاِمام الصادق، والاِمام الكاظم عليهما السلام (17)
وقد اعتمد هذا البيان بعض مفسري العامّة في تفاسيرهم، فالنحّاس مثلاً يرى أنّ معنى قوله تعالى: (إن تَنصُروا اللهَ يَنصركُم) (18)هو: «إن تنصروا دين الله وأولياءه، فجعل ذلك نصرة له مجازاً» (19) .
هذا وقد صرّح علماء الشيعة بأنّ البَدَاء بمعناه اللغوي الذي يعني ظهور شيءٍ بعد عدم العلم به، يختلف عن البَدَاء بمعنى النسخ، والاَوّل يتنزه عنه تعالى: بخلاف الثاني الذي لايستلزم منه محذوراً.
من ذلك قول شيخ الطائفة الطوسي رضي الله عنه:
«فأمّا إذا أضيفت هذه اللفظة ـ أي: البداء ـ إلى الله تعالى، فمنه ما يجوز إطلاقه عليه، ومنه ما لا يجوز. فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين عليهما السلام من الاَخبار المتضمنة لاِضافة البداء لله تعالى دون ما لايجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن. ويكون وجه إطلاق ذلك فيه تعالى. والتشبيه، هو أنّه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهراً لهم، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم أطلق على ذلك لفظ البداء» (20) .
وقد قال استاذه الشيخ المفيد رضي الله عنه ما نصه:
«أقول في معنى البَدَاء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله: من الافتقار بعد الاِغناء، والاِمراض بعد الاِعفاء، والاِماتة بعد الاِحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال والاَرزاق والنقصان منها بالاَعمال، فأما إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عز وجل، ولو لم يرد به سمع أعلم بصحته ما استجزت إطلاقه، كما أنّه لو لم يرد عليَّ سمع بأنّ الله تعالى: يغضب، ويرضى، ويحب، ويعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه، ولكنه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول.
وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه.. وهذا مذهب الاِمامية بأسرها، وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه» (21 )
أقول: ما يقول هؤلاء المفترون على الشيعة عن تفسير الزجّاج لقوله تعالى: (وَلنبلُونَّكُم حتَّى نَعلَمَ المُجاهِدينَ مِنكُم والصّابِرِينَ)(22) قال: «وهو عزَّ وجل قد علم قبل خلقهم المجاهدين منهم والصابرين، ولكنه أراد العلم الذي يقع به الجزاء، لاَنّه إنّما يجازيهم على أعمالهم.
فتأويله: حتى يعلم المجاهدين علم شهادة، وقد علم عزَّ وجل الغيب، ولكن الجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة» (23) .
ولا يخفى على من له أدنى فَهمٍ بأنَّ الزجّاج أراد بهذا: أنَّ لله عزَّ وجل علمين:
علم غيب: وهو العلم الذي أحاط بكل شيءٍ في هذا الكون من الذَّرَّة إلى المجرّة وإلى آخر الاَبد، وهو ما تقوله الشيعة برمتهم.
وعلم شهادة: وهو بمعنى علم حضور، وهذا العلم يكون بمرحلة لاحقة على الاَول، فهو يريد في تأويله: حتى نعلم جهادكم موجوداً فعلاً فنجازيكم عليه، مع علمنا به قبل أن نخلقكم؛ لاَنّ الجهاد كان موجوداً في علم الغيب، وأما بعلم الشهادة فلا، لانتفاء موضوعه أصلاً؛ لتعلقه بمعدوم، وإنّما يكون العلم به حضوريا بعد حصوله، فلا جرم أنْ يقال إذن لهذا النوع من العلم أنّه يظهر لله عزَّ وجل لا عن جهل بل عن علم تام.
وإذا اتضح هذا فاعلم أنّه إذا كان إسناد البَدَاء إلى الله عزَّ وجل إسناداً مجازياً، فهو إنّما يكون كذلك في صورة التسليم بأنّ إسناده بنحو الحقيقة يستلزم الجهل.
وأمّا إذا لم يسلَم ذلك، على أساس القول بأنّ البَدَاء أعم من كونه ظهور رأي بعد الجهل، فالاَمر أوضح، ولا يكون حينئذ في إسناده حقيقةً أدنى محذور لما علمت على طبق رأي الزجاج من أنَّ ظهور قعقعة السلاح في ساحة الجهاد والقتل في سبيل الله لا يكون ظهوراً لله عزَّ وجل بعد الجهل به، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنّما يكون ظهوراً لله عزَّ وجل بعد مرحلة لاحقة من العلم التفصيلي به، ذلك هو علم الغيب الذي أحاط بالاَشياء قبل إيجادها والذي لا حدّ له ولا أمد، فأين التغيير في علم الله (عزَّ وجل) يا ترى ؟!
ومن روائع الكافي ما أخرجه عن الكاهلي، قال: «كتبت إلى أبي الحسن (الاِمام الكاظم) عليه السلام في دعاء: الحمد لله منتهى علمه !!
قال: فكتب إليَّ عليه السلام: لا تقولن منتهى علمه، فليس لعلمه (عزَّ وجل) منتهى. ولكن قل: منتهى رضاه» (24) .
إعتقاد العامّة بتغيير وتبديل ما قُضي وقُدّر:
ثم أين هؤلاء من أحاديث البخاري وأقوال علمائهم ؟:
كحديث المعراج الصريح بتغيير ما فرض وقدر أربع مرات متوالية في آن واحد (25) َك، مع ما فيه من علّة قادحة إذ تضمن الطعن الصريح على الاَنبياء بالاِقدام على المراجعة تلو المراجعة في الاَوامر المطلقة كما لا يخفى.
ومثله حديث الاستسقاء (26) الذي دلَّ على أن تغيير الطقس المفاجيء قد اختص بما كان مشترطاً في التقدير.
وحديث أنّ الله يُحدث من أمره ما يشاء (27) . وأحاديث تأثير صلة الرحم والصدقة عن أبي هريرة وغيره (28) .
وحديث غفران الذنوب في ليلة القدر عن أبي هريرة أيضاً (29) .
وحديث (اعملوا فكلٌّ ميسر) (30) .
وحديث الصخرة التي أطبقت على ثلاثة رجال حتى استيقنوا الموت ثم رفعت بدعائهم (31) .
وحديث البداء الصريح عن أبي هريرة في البخاري والمسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى بَدا لله أنْ يبتليهم.. (32) .
وهل من الاِنصاف أن لا يُرى (بداء البخاري) ويرى (بداء الكليني)؟ قاتل الله الاهواء وأهلها.
ولعمري، ليتهم رجعوا إلى الذي ذكره الآلوسي في تفسير قوله تعالى: (يَمحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثبِتُ وعِندُه أُمُّ الكِتَابِ) (33) .
فقد أورد في تفسيره نصّ رسالة كتبت في بغداد لاَحد أفاضل علماء بغداد من العامّة بخصوص تغيير القضاء الاَزلي، قال: «وفيها: أنه ما من شيء إلاّ ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الاَزلي !! واستدلّ لذلك بأمور».. (34) .
ثم ذكر استدلالات مطولة لا حاجة لنا بها.
ومن الجدير ذكره، أن أبا الحسن الاَشعري إمام الاَشاعرة قد صَرَّح بأنّ حديث (العشرة المبشرة) مشروط بأن لا يتغيّروا عما كانوا عليه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يموتوا على الاِيمان (35) . ومن هنا كان عمر يقول: «لو نادى مناد: كل الناس في الجنة الا واحداً لظننت أني ذلك الواحد» (36) !!.
ونظير هذا ما نقله القرطبي عن مالك بن دينار أنه دعا لامرأة حاملٍ فقال: «اللّهم إنْ كان في بطنها جارية فأبدلها غلاماً فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب» (37) .
كان على هؤلاء المشنّعين أن يَعُوا ما في عقيدتهم جيداً ويعرفوا رأي علمائهم في علم الله عزَّ وجل، ولو وقفوا عليه لاستحيوا من هذه المقالة الباطلة؛ فإنّ في عقيدة الاَشعرية أنّ التغيير في القضاء لا يوجب جهلاً ولا تغيراً في الذات الالهية، لاَنّ التغيير عندهم إنّما هو في الاِضافات، وهم يرون أنّ صفة العلم إضافة مخصوصة وتعلّقٌ بين العالم والمعلوم، أو أنّها صفة حقيقية ذات إضافة.
وعلى الاَول كما صرّح به الآلوسي يتغير نفس العلم وعلى الثاني تتغير إضافته فقط. قال: وعلى التقديرين لا يلزم تغير في صفة موجودة بل في مفهوم اعتباري (38) . ولهذا نجد في الرسالة التي نقل نصّها الآلوسي كما أشرنا إليها سابقاً الاعتقاد المطلق بجواز تغيير وتبديل كل شي في هذا الكون حتى ما كان منه مقدّراً مكتوبا في الاَزل!
وقد وقفت على تصريح للاستاذ الكبير حامد حفني داود المصري المعروف بما نصه: «والشيعة الاِمامية براء مما فهمه الناس عن البداء إذ المتفق عليه عندهم، وعند علماء العامّة أنّ علم الله قديم منزه عن التغيير والتبديل والتفكير الذي هو من صفات المخلوقات، أمّا الذي يطرأ عليه التغيير والمحو بعد الاِثبات فهو ما في اللوح المحفوظ بدليل قوله تعالى :
(يَمحُو اللهُ مَا يشاءُ ويُثبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الكِتَابِ)»(39) .
ونظير هذا تماماً ما قاله محمّد عبد الكريم عتوم، حتى لكأنكَ تشعر بنقله عن الدكتور حامد حفني داود مع تغيير طفيف (40) .
أقول: هذا باطل، لم يقل به أحد من الشيعة الاِمامية قط، نعم قالوا عن البَدَاء ما قالوا كما عرفت ولكنهم لم يقولوا أنّ التغيير والتبديل يكون في علم الله المحفوظ، فذلك العلم عندهم لا يجوز عليه التبديل ولا التغيير مطلقاً، وهم متفقون على ذلك خلفاً عن سلف اقتداءاً بأئمتهم عليهم السلام.
بل ذهبوا إلى أنّ ما يحصل فيه التغيير إنّما هو لوح المحو والاِثبات الذي يمثل مظهراً من مظاهر علمه تعالى، وقد أطلق عليه بعضهم اسم العلم الفعلي، قال الشيخ السبحاني: «وأمّا علمه الفعلي، فهو عبارة عن لوح المحو والاِثبات، فهو مظهر لعلم الله تعالى في مقام الفعل، فإذا قيل: بَدا لله في علمه: فمرادهم البَداء في هذا المظهر» (41) .
وقد ناقشهم السبحاني مناقشات مطولة في ثلاثة من كتبه (42) . وقد توسع فيها لاسيّما في كتابه (البَدَاء في ضوء الكتاب والسُنّة) لاِثبات أن التغيير والتبديل في بعض مراتب القضاء لا يستلزم منه تغيير العلم، وقد سبقه إلى ذلك أكثر من أشرنا إلى مصادرهم ومراجعهم من علماء الشيعة.
*****************************
****************************
المصادر :
(1) المستصفى، للغزالي 1: 111. والمحصول، للرازي 1: 543. ومنتهى الوصول والاَمل، لابن الحاجب: 154 ـ 155. والتحصل من المحصول، للارموي 2: 10. والتقرير والتحبير، لابن أمير الحاج 1: 352. وتفسير ابن كثير وتفسير الآلوسي وغيرهما عند تفسير الآية (106) من سورة البقرة المباركة.
(2) اُصول السرخسي 2: 54 ـ 55 و 2: 59. والاَحكام في أصول الاَحكام، للآمدي 3: 102. وتفسير القرطبي 2: 64. والمنخول للغزالي: 288. والاَحكام في أصول الاَحكام، لابن حزم 4: 47. والبرهان، للزركشي 2: 30. والاِتقان، للسيوطي 3: 67. والملل والنحل، للشهرستاني 1: 211.
(3) الشيعة والسُنّة، لاحسان إلهي ظهير: 63. وأحوال أهل السُنّة في ايران، لعبد الحق الاصفهاني: 86. وبطلان عقائد الشيعة، لمحمّد عبدالستار التونسوي: 23.
(4) التبيان في تفسير القرآن 1: 13 من المقدمة.
(5) المستصفى 1: 110.
(6)التفسير الكبير للرازي 19: 66.
(7) الاَحكام في اُصول الاَحكام، للآمدي 3: 102.
(8) مقالات الاِسلاميين، للاشعري: 39.
(9) الملل والنحل، للشهرستاني 1: 96.
(10)اُصول الكافي 1: 114 | 9 باب البَدَاء.
(11) اُصل الكافي 1: 114 | 10 من باب البَدَاء.
(12) اُصول الكافي 1: 114 | 11 باب البَدَاء.
(13) أوائل المقالات، للشيخ المفيد: 60.
(14) راجع على سبيل المثال سورة النساء 4: 142. والتوبة 9: 67. والاعراف 7: 51. والسجدة 32: 14. والنمل 27: 50. والطارق 86: 15 ـ 17 وغيرها.
(15) البقرة 2: 57.
(16) اُصول الكافي 1: 113 | 11 باب النوادر.
(17) اُصول الكافي 1: 112 | 6 باب النوادر و 1: 360 | 91 باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية.
(18) محمّد 47: 7.
(19) إعراب القرآن، للنحّاس 4: 180.
(20) عدّة الاُصول، للشيخ الطوسي 2: 29 الطبعة الحجرية.
(21) أوائل المقالات، للشيخ المفيد: 92 ـ 93.
(22) محمّد 47: 31.
(23) معاني القرآن واعرابه، للزجاج 5: 16.
(24) اُصول الكافي 2: 409 | 19 باب الدعاء للكرب
(25) صحيح البخاري 1: 98 كتاب الصلاة. وأخرجه في كتاب التوحيد 9: 182 باب قوله تعالى: (وكلّم الله موسى تكليما).
(26) صحيح البخاري 2: 34 باب الاستسقاء في المسجد الجامع. وأخرجه من طرق أُخر صحيحة وبألفاظ مختلفة في 2: 35 و 36 و 37 و 38.
(27) صحيح البخاري 9: 187 باب قوله تعالى (كل يوم هو في شأن).
(28) صحيح البخاري 8: 6 باب من بُسط له الرزق بصلة الرحم.
(29) صحيح البخاري 3: 59 باب فضل ليلة القدر.
(30) صحيح البخاري 8: 152 باب قوله تعالى: (وكان أمر الله مفعولاً).
(31) صحيح البخاري 8: 3 باب اجابة دعاء من برّ والديه. وصحيح مسلم بشرح النووي 17: 55 باب أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الاعمال.
(32) صحيح البخاري 4: 208 ـ 209 كتاب الانبياء باب ما ذكر عن بني اسرائيل.
(33) الرعد 13: 39.
(34) تفسير الآلوسي المسمى بـ (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) 13: 170 ـ 171 في تفسير الآية (39) من سورة الرعد.
(35) مقالات الاِسلاميين واختلاف المصلين، لابي الحسن الاشعري: 471.
(36) روح المعاني 13: 170 ـ 171.
(37) الجامع لاحكام القرآن، للقرطبي 9: 329 ـ 330. وكنز العمال 12: 620.
(38) روح المعاني، للآلوسي 13: 171.
(39) نظرات في الكتب الخالدة: 19. والآية من سورة الرعد 13: 39.
(40) النظرية السياسية المعاصرة للشيعة الاِمامية الاثني عشرية، لمحمّد عبدالكريم عتوم: 40 ـ 41.
(41) الالهيات، للسبحاني: 582.
(42) الالهيات: 566. ومفاهيم القرآن 6: 295 و 330 و 332. والبداء في ضوء الكتاب والسُنّة.
Powered by vBulletin Version 3.6.9
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd