المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحوار على ضوء عاشوراء


السيد
03-05-2003, 07:08 AM
هل عصرنا هو عصر الامام الحسين عليه السلام ؟ وهل عالمنا هو عالمه عليه السلام وانتم تتحدثون عنه وعن شهادته وتضحياته ؟.. انتم تتحدثون عن القيم والجهاد والثورة والعالم من حولكم هو عالم التسويات والمفاوضات والانانيات والفردية والجري وراء الدنيا.. انكم في واد وعالمكم في واد آخر مختلف تماماً..
وفي الحقيقة.. هذا هو العالم الذي يحتاج الامام الحسين عليه السلام ... فهل كان عصر الامام عليه السلام الا كهذا العصر.. بل هو اسوأ.. كان عصر الخضوع للامر الواقع.. والقبول بالظلم القائم.. وعصر الانانيات والدنيا والتسويات مع الظالمين.. في مثل هذا الوضع بالذات نحتاج الى تضحيات الامام الحسين عليه السلام.. والى شهادته الدامية.. بل تزداد وتتأكد الحاجة الى التضحية والشهادة كلما انغمس الناس في الامور الصغيرة والتافهة.. او حتى الامور التي يحسبونها كبيرة وهي ليست كذلك بتضييعهم قيم الجهاد والشهادة..
وعصر الشهادة الذي نتطلع اليه لا يناقض التفاهم والحوار اذا كان الطرف الآخر مستعد لذلك.. لقد استنفذ الامام الحسين عليه السلام كل الوسائل الممكنة للوصول الى حالة تفاهم مع الجيش الذي جاء لقتاله.. وحتى اللحظات الاخيرة.. لكن لم يكن ذلك الجيش هو جيش التفاهم ... اننا مع الحوار ولكن ليس من ضعف.. ومع التفاهم ولكن لا من ذلة.. لا بد من التلويح بسلاح كبير وعظيم نمتلكه هو سلاح الشهادة والتضحية ... لنفرض على العدو القبول والتسليم بحقوقنا ومطالبنا المشروعة..
التمسك بعاشوراء هو الذي يفرض على العدو احترام حقوقنا ... فلتتربى الاجيال على حب عاشوراء والتمسك بهذا السلاح والاقتداء برجالها العظام.. حتى يحسب العدو الف حساب قبل ان يقدم على ظلمهم او التفكير في انتهاك حقوقهم..
ان عاشوراء لا تناقض الحوار اذا كان متكافئاً.. ومتوازناً.. ونحن لا نخشى الحوار اذا كان بضمانة التمسك بالامامة.. والثبات على نهج الجهاد والتضحية.. كما فعل اصحاب الامام الحسين عليه السلام.. الذين حاوروا الجيش كثيراً.. وكان الامام عليه السلام يشكرهم بعد كل محاولة.. لانها كانت حوارات ضمن التمسك بالامامة الالهية.. والثبات على نهج الجهاد والتضحية.. وقد حاول الشمر في احد المحاورات ان يستدرج العباس عليه السلام الى ذلك المنزلق الخطير.. منزلق التخلي عن الامامة وعن قيم عاشوراء العظيمة.. فعرض عليه وعلى اخوته الامان.. ولكن ليس العباس مَن يُستدرج رغم صعوبة الاوضاع وحرج الموقف وشدته.. والعرض المغري الذي يبدو انه كان عرضين وليس عرضاً واحداً.. العرض الاول كان بجهود عبدالله بن ابي المحل بن حزام وكانت ام البنين عمته سلام الله عليها.. حصّل كتاب الامان للعباس واخوته من ابن زياد ثم بعثه مع مولاه كزمان فلما قدم الى كربلاء قال للعباس واخوته هذا امان من ابن زياد بعثه اليكم خالكم عبدالله فقالوا ابلغ خالنا السلام وقل له لا حاجة لنا في امانكم أمان الله خير من أمان ابن سمية .
العرض الآخر كان من الشمر اللعين ...الذي نادى العباس واخوته عليهم السلام فأعرضوا عنه فقال الامام الحسين عليه السلام.. اجيبوه ولو كان فاسقاً.. قالوا ما شأنك.. قال يابني اختي انتم آمنون لا تقتلوا انفسكم مع الحسين والزموا طاعة يزيد فقال له العباس عليه السلام لعنك الله ولعن امانك تؤمننا وابن رسول الله لا أمان له , وتأمرنا ان ندخل في طاعة اللعناء واولاد اللعناء.. فرجع الشمر مغضباً .
والمتأمل في قضية هذا الحوار.. يرى مثلاً مدى حرص الامام الحسين عليه السلام على المحاورة.. لاحظوا كيف أمر عليه السلام العباس واخوته الى اجابة الشمر والتحدث معه ولو كان فاسقاً.. فمنطق الشهادة والتضحية لا يعارض مبدأ الحوار ولكن ضمن اطار ثوابت الدين والعقيدة والجهاد.. وهذا ما التزم به العباس عليه السلام واخوته تماماً.. لاحظوا ان عرض الامان اراد ان يجرد العباس واخوته من انتماءهم للدين والامام عليه السلام.. من التزامهم الرسالي الى الانتماء القبلي.. والعباس عليه السلام اذ رفض عرض الامان كما هو متوقع.. لكنه لم يقم بادانة دوافع ذلك العرض (الدافع النسبي او القبلي).. وغالباً ما يتعرض الانسان في مسيرة الجهاد الرسالي الى عروض او ضغوط مماثلة.. فهناك دعوات حوار على اساس نبذ الالتزام بالجهاد والقيادة الرسالية.. والانتماء القبلي او الوطني او النسبي او ما اشبه.. وهناك ضغوط مثلاً تدعو المجاهد للتوقع في حدود بلده الذي وُلد فيه.. والتخلي عن الاهتمام بباقي الامة.. وكلها ضغوط مرفوضة من منطق واسس الحوار الحسيني..
اجل.. الدين لا يتعارض مع حب الانسان لمسقط رأسه.. او لقبيلته او ما اشبه.. ولكن اذا تعارض الانتماء للدين والقيادة الدينية مع الانتماء ات الاخرى القبلية او الوطنية.. فيُقدم حينها الانتماء الديني الرسالي.. ولا يعني هذا الانتماء العداء للقبيلة او الوطن او ما اشبه على الاطلاق.. لاحظ ان العباس شكر خاله على بذله الجهد.. لكنه رفض الامان.. كما لم يقم بادانة دوافع الشمر القبلية في عرض الامان لكنه رفض الامان نفسه لانه يريد ان يجرده من التزامه الديني وولاءه الحسيني .
عاشوراء مع الحوار.. وهي تعطيه معنىً.. وقوة.. وضمانة ليكون الى صالح المؤمنين والمظلومين.. اما الحوار خارج اطارها فانه لا يؤدي الا الى المزيد من الخسائر وان بدت في حينها وكأنها مكاسب وامتيازات.