عماد الحوسني
02-12-2005, 11:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
(اللهم صل على محمد وال محمد)
بعد ان اكتمل عدد الشهداء ، وبقي الإمام الحسين وحيداً ألقى نظرة عليهم فاذا بهم صرعى مضرجين بدماءهم ، قد مزقتهم حراب الأعداء ، فتنفس الصعداء والقى خطاباً دوى عبر الافاق وعلى امتداد العصور :
" يا مسلم بن عقيل ويا هاني بن عروة ويا حبيب بن مظاهر ويا زهير بن القين ويا يزيد بن مظاهر ويا فلان بن فلان يا ابطال الصفا ويا فرسان الهيجا .. مالي اناديكم فلا تجيبون وادعوكم فلا تسمعون انتم نيام ارجوكم تنتبهون أم حالت مودتكـم عن امامكم فلا تنصروه هذه نساء الرسـول ( صلى الله عليه وآله ) لفقدكم قد علاهنَّ النحول فقوموا عن نومتكم ايها الكرام وادفعوا عن حرم الرسول الطغـاة اللّئـام . ولكن صرعكم والله ريب المنـون . وغـدر بكم الدّهر الخؤن ، والاّ لما كنتم عن نصرتي تقصرون ولا عن دعوتي تحتجبون فها نحن عليكم مفتجعون وبكم لاحقون فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم أنشـأ يقول :
قــوم اذا نــــودوا لدفــع ملمَّــةٍ
والخيـل بيــن مدعّس ومكردس
لبسوا القلوب على الدروع واقبلوا
يتهـافتــون على ذهاب الأنفــس
نصروا الحسيـن فيا لها من فتيـة
عافوا الحياة والبسوا من سندس(1)
وقبلئذ شهد السبط الشهيـد لأهل بيته واصحابه بشهادة حق حين قال فيهم ليلـة عاشـوراء :
أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً اوفى ، ولا خيراً من اصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي فجزاكـمالله عني خيراً . (1)
لم تكن تلك مدحة باطلة ، حاشا لله، انها كانت محض الحق . ومرّ الواقع .. لقد كان الصفوة الرسالية التي اصطفاها الحسين ( عليه السلام ) للشهادة معه . رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . وكان ايمانهم ويقينهم وولاءهم لله سبحانه وللرسول وأهل بيته عليه وعليهم السلام . هو الذي حملهم الى كربلاء . ولذلك فقد كان تسابقهم الى الجنة شعارهم الأسمى . وإنّ ذلك هو المعيار لمعرفة مدى يقين المؤمن وصدق كلماته .
في ليلة الواقعة يجتمع الإمام باصحابه فيطلب منهم ان يتخذوا ليلتهم تلك جملاً ، ويتفرقوا عنه فإن القوم لايطلبون غيره . فقال لهم : واني لأظن يوماً لنا من هؤلاء ألاّ واني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم حرج منّي ولا ذمام . هذا الليل قد غشيكمفاتخذوه جملاً . (2)
فقام أحدهم وقال :
اما والله لو علمت أني اقتل ثم احيى ثم أحرق ثم احيى ثم اذرى ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى القى حمامي دونك ، فكيف لا افعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها ابداً . (1)
ويقـوم ابن أخيه القاسم بن الحسن ( عليه السلام ) وكان غلاماً . فيسأل عمّه : هل هو ممن يقتل ؟ وقبل ان يجيبه الامام يسأله : كيف الموت عندك . فيقـول : في نصرتك أحلى من العسل ..
وفي يـوم الواقعة حينما يطلب القاسم الأذن بالهجوم يعتنقه السبط الشهيـد ويبكيان ساعة ثم ينطلق كالصقر ويشق صفوف الجيش المعادي بسيفه ويقتل منهم جمعاً . فينقطع شسع نعلـه ، فإذا به ينحني لإصلاحه غير آبه بحراب الذئاب الموتورة من حوله .. انه يتسابق الى الجنة . ومطيته الشهـادة .
وهذا عابس بن شبيب الشاكري .. تقول الروايات عنه انه كان اشجع الناس فلما برز قال احدهم : ايها الناس هذا اسد الأسود ، هذا ابن شبيب ، لايخرجن اليه أحد منكم فأخذ ينادي ألا رجل ؟ ألا رجل ؟
فقال عمر بن سعد : ارضخوه بالحجارة من كل جانب ، فلما رأى ذلك القى درعه ومغفره ثم شدّ على الناس فوالله لقد رأيت يطرد اكثر من مأتين من النــاس ثم انهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل(1)ويقال انه لمّا تجرد من اسلحته قال أحدهم له : أجننت يا بن شبيب ؟ فقال : حب الحسين أجنني .
وفي ليلة العاشـر : يتمازح القوم لانهم يعلمون باقتراب موعد الجنة منهم . فغداً سيكونون عند ربهم وعنــد من سبقوهم اليه سبحانه . تقول الرواية : إن برير بن خضير الهمداني ، وعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري وقفا على باب الفسطاط فجعل بريـر يضاحك عبد الرحمنفقال له عبد الرحمن يا بريــر اتضحك ؟ ما هذه ساعة باطل ، فقال برير : لقد علم قومي انني ما احببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، وإنمـا افعل ذلك استبشاراً بما نصيـر إليه ، فوالله ما هو إلاّ ان نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهـم ساعة ثم نعانق الحور العيـن . (1)
إن هذه الـروح التي تجلت في شهــداء كربـلاء اعطت امتنا الاسلاميـة وبالذات الموالين لآل الرسول منهم قوة ومناعة واقتداراً لان كل مخلص فيهم يتمنى لو ختمت حياته بالشهادة والتحق باصحاب الحسين ( عليه السلام ) . وإنهم حين يقفون على اضرحة الشهداء يقولون :
يا ليتنا كنا معكم فنفوز معكم فوزاً عظيماً .
إن روح الشهادة هـي التي يستمدها المؤمن من سيــرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته واصحابه . ومن هذا المنطلق يصر المؤمنون على اقامة الشعائر الحسينية وبالذات في العشر الأول من شهر محرم الحرام . فترى كربلاء تتألق من جديد . وترى عاشوراء تضيء دربالسالكين الى الحق . وتعطــي الرساليين دفعات من الوعي والعـزم ..
تستمد النهضة الحسينية أصالتها كأعظم حركة إصلاحية انتهجت الثورة على جذور الابتداع , حفاظاً على عقيدة الأمة وهويتها , وهو الأمر الجامع الذي تلتقي فيه الجماعات الإسلامية بمختلف مدارسها على مستوى الغايات ، فالبدعة - بمعنى الإضافة إلى الدين - كانت تقترن على مدى التاريخ باتباع الهوى , أو باتباع الطغاة ، أو بادعاء إمامة الناس بغير حق ، وهي النقطة الفاصلة بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين العديد من التيارات والفرق الباطنية والأخرى المغالية عبر التاريخ .
وقد بلغت ذروة مشهد الابتداع حين أضحت الخلافة الإسلامية القائمة على العلم والفقاهة والعدالة مُلكاً عضوضاً للمارقين والفاسقين , وأصبحت البيعة – وهي الصيغة المتقدمة سياسياً من حيث الاختيار الحر للأمة – أصبحت إكراهاً بالسيف والقهر وسلب الكرامة الإنسانية ، هنا قال الإمام الحسين (عليه السلام) كلمته المشهورة : " ومثلي لا يبايع مثله " متمثلاً العزة والإباء وروح الجهاد المقدس .
وتمثل الوجه الآخر من الابتداع في الثقافة الإلتقاطية كالمرجئة والقدرية والجبرية والخوارج الذين شوّشوا على الأمة رؤيتها السياسية وكرّسوا واقع التسلط على رقاب الناس ، كما أسهمت نزعة الرهبنة بما تعني من الانفصال عن مسؤوليات الحياة في شيوع روح التخاذل والسلبية وتصوف من نوع جديد يدعو إلى الانعزال والتعويض عن تحمل واجبات الجهاد والإصلاح بالجلوس في زوايا المسجد وترديد ذكر الله وتقديم النصائح الأخلاقية .
وقد واجَهَ الإمام علي (عليه السلام) هذه التيارات ونَعَتَهم بأتباع الأفكار الدخيلة حيث قال عنهم : " أخوان عبدة الأوثان " ، وأنهم يشكّلون أعظم خط انحرافي في الأمة فقال عنهم : " هم قدرية هذه الأمة ومجوسها " .
إن المتتبع لمراحل التاريخ الإسلامي يجدها لم تخلو من جماعات أو فِرَق تبنّت الدعوة إلى تنقية العقيدة وإصلاحها ونشدت التوحيد الخالص ، لكنها كانت على الدوام تقع في إشكالية الفهم التجزيئي للإسلام وفهم مقاصده ، والخلط بين الوسائل والغايات ، فكانت تكرّس واقع الجمود في الأمة ، أو تصبح مدخلاً للتطرف والفكر التكفيري وشق صف الأمة ، والمفارقة أنها بدل أن تنفتح على مدرسة أهل البيت التوحيدية اتخذت موقف الريبة والعداء يصل الأمر إلى تهمة الابتداع .
إن ذكرى عاشوراء تأتي كل عام لتضع المسلمين من جديد أمام أولويات إصلاح الفكر ومناهضة الاستبداد وإنكار البدع في واقعهم من خلال الفهم المستنير لكتاب الله عبر روايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم ، فهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة وأمناء الوحي وخزنة الكتاب ومعدن العلم .
كما تضاعف الذكرى المهام على الأتباع في ربط الأجيال المعاصرة بقنوات التوجيه الأصيلة لانتهال العقائد الصافية والمضامين الروحية الأصيلة ، وتحصينهم من الموجات الصوفية المتلونة بأثواب جديدة ، فالملاحظ أثر إحياء المناسبات الشيعية في تنمية الوعي الديني عند الإنسان الشيعي عبر التزام الأحكام الشرعية واستقائها من مصادرها المنضبطة عبر التواصل المباشر مع المرجعيات أو الوكلاء أو الرسائل العملية ، في حين يضطرب الأمر على مستوى دوائر التثقيف والتوجيه الروحي حين يرتقي الأمر أمثال (الروحانيون الجدد) ممن لا تسعفهم مؤهلات فقهية أو شرعية ، حتى أصبحت ثقافة الأحلام تصبغ حركة المسلم وترسم أولوياته بديلاً عن الرؤية القرآنية والتدبر في مضامينها .
كما تسهم الثقافة الإيحائية وأوراد الدروشة وأبعاد أخرى خفية تتستّر بالإلهام - إدعاءً -لتغييب عقل المسلم وإغراقه في الأوهام بعيداً عن هموم المجتمع وقضاياه ومتطلبات السعي والبناء ، فالصوفية في نهاية الأمر ترى أن فناء الإنسان في العدم والسلبية هو المنهج الموصل إلى الحقيقة وتصل إلى نبذ النظم الدينية والاكتفاء بالصفاء الروحي خلافاً لمنهج أهل البيت (عليهم السلام) الذين كانوا رهبان الليل وفرسان النهار .
__________________
(اللهم صل على محمد وال محمد)
بعد ان اكتمل عدد الشهداء ، وبقي الإمام الحسين وحيداً ألقى نظرة عليهم فاذا بهم صرعى مضرجين بدماءهم ، قد مزقتهم حراب الأعداء ، فتنفس الصعداء والقى خطاباً دوى عبر الافاق وعلى امتداد العصور :
" يا مسلم بن عقيل ويا هاني بن عروة ويا حبيب بن مظاهر ويا زهير بن القين ويا يزيد بن مظاهر ويا فلان بن فلان يا ابطال الصفا ويا فرسان الهيجا .. مالي اناديكم فلا تجيبون وادعوكم فلا تسمعون انتم نيام ارجوكم تنتبهون أم حالت مودتكـم عن امامكم فلا تنصروه هذه نساء الرسـول ( صلى الله عليه وآله ) لفقدكم قد علاهنَّ النحول فقوموا عن نومتكم ايها الكرام وادفعوا عن حرم الرسول الطغـاة اللّئـام . ولكن صرعكم والله ريب المنـون . وغـدر بكم الدّهر الخؤن ، والاّ لما كنتم عن نصرتي تقصرون ولا عن دعوتي تحتجبون فها نحن عليكم مفتجعون وبكم لاحقون فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم أنشـأ يقول :
قــوم اذا نــــودوا لدفــع ملمَّــةٍ
والخيـل بيــن مدعّس ومكردس
لبسوا القلوب على الدروع واقبلوا
يتهـافتــون على ذهاب الأنفــس
نصروا الحسيـن فيا لها من فتيـة
عافوا الحياة والبسوا من سندس(1)
وقبلئذ شهد السبط الشهيـد لأهل بيته واصحابه بشهادة حق حين قال فيهم ليلـة عاشـوراء :
أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً اوفى ، ولا خيراً من اصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي فجزاكـمالله عني خيراً . (1)
لم تكن تلك مدحة باطلة ، حاشا لله، انها كانت محض الحق . ومرّ الواقع .. لقد كان الصفوة الرسالية التي اصطفاها الحسين ( عليه السلام ) للشهادة معه . رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . وكان ايمانهم ويقينهم وولاءهم لله سبحانه وللرسول وأهل بيته عليه وعليهم السلام . هو الذي حملهم الى كربلاء . ولذلك فقد كان تسابقهم الى الجنة شعارهم الأسمى . وإنّ ذلك هو المعيار لمعرفة مدى يقين المؤمن وصدق كلماته .
في ليلة الواقعة يجتمع الإمام باصحابه فيطلب منهم ان يتخذوا ليلتهم تلك جملاً ، ويتفرقوا عنه فإن القوم لايطلبون غيره . فقال لهم : واني لأظن يوماً لنا من هؤلاء ألاّ واني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم حرج منّي ولا ذمام . هذا الليل قد غشيكمفاتخذوه جملاً . (2)
فقام أحدهم وقال :
اما والله لو علمت أني اقتل ثم احيى ثم أحرق ثم احيى ثم اذرى ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى القى حمامي دونك ، فكيف لا افعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها ابداً . (1)
ويقـوم ابن أخيه القاسم بن الحسن ( عليه السلام ) وكان غلاماً . فيسأل عمّه : هل هو ممن يقتل ؟ وقبل ان يجيبه الامام يسأله : كيف الموت عندك . فيقـول : في نصرتك أحلى من العسل ..
وفي يـوم الواقعة حينما يطلب القاسم الأذن بالهجوم يعتنقه السبط الشهيـد ويبكيان ساعة ثم ينطلق كالصقر ويشق صفوف الجيش المعادي بسيفه ويقتل منهم جمعاً . فينقطع شسع نعلـه ، فإذا به ينحني لإصلاحه غير آبه بحراب الذئاب الموتورة من حوله .. انه يتسابق الى الجنة . ومطيته الشهـادة .
وهذا عابس بن شبيب الشاكري .. تقول الروايات عنه انه كان اشجع الناس فلما برز قال احدهم : ايها الناس هذا اسد الأسود ، هذا ابن شبيب ، لايخرجن اليه أحد منكم فأخذ ينادي ألا رجل ؟ ألا رجل ؟
فقال عمر بن سعد : ارضخوه بالحجارة من كل جانب ، فلما رأى ذلك القى درعه ومغفره ثم شدّ على الناس فوالله لقد رأيت يطرد اكثر من مأتين من النــاس ثم انهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل(1)ويقال انه لمّا تجرد من اسلحته قال أحدهم له : أجننت يا بن شبيب ؟ فقال : حب الحسين أجنني .
وفي ليلة العاشـر : يتمازح القوم لانهم يعلمون باقتراب موعد الجنة منهم . فغداً سيكونون عند ربهم وعنــد من سبقوهم اليه سبحانه . تقول الرواية : إن برير بن خضير الهمداني ، وعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري وقفا على باب الفسطاط فجعل بريـر يضاحك عبد الرحمنفقال له عبد الرحمن يا بريــر اتضحك ؟ ما هذه ساعة باطل ، فقال برير : لقد علم قومي انني ما احببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، وإنمـا افعل ذلك استبشاراً بما نصيـر إليه ، فوالله ما هو إلاّ ان نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهـم ساعة ثم نعانق الحور العيـن . (1)
إن هذه الـروح التي تجلت في شهــداء كربـلاء اعطت امتنا الاسلاميـة وبالذات الموالين لآل الرسول منهم قوة ومناعة واقتداراً لان كل مخلص فيهم يتمنى لو ختمت حياته بالشهادة والتحق باصحاب الحسين ( عليه السلام ) . وإنهم حين يقفون على اضرحة الشهداء يقولون :
يا ليتنا كنا معكم فنفوز معكم فوزاً عظيماً .
إن روح الشهادة هـي التي يستمدها المؤمن من سيــرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته واصحابه . ومن هذا المنطلق يصر المؤمنون على اقامة الشعائر الحسينية وبالذات في العشر الأول من شهر محرم الحرام . فترى كربلاء تتألق من جديد . وترى عاشوراء تضيء دربالسالكين الى الحق . وتعطــي الرساليين دفعات من الوعي والعـزم ..
تستمد النهضة الحسينية أصالتها كأعظم حركة إصلاحية انتهجت الثورة على جذور الابتداع , حفاظاً على عقيدة الأمة وهويتها , وهو الأمر الجامع الذي تلتقي فيه الجماعات الإسلامية بمختلف مدارسها على مستوى الغايات ، فالبدعة - بمعنى الإضافة إلى الدين - كانت تقترن على مدى التاريخ باتباع الهوى , أو باتباع الطغاة ، أو بادعاء إمامة الناس بغير حق ، وهي النقطة الفاصلة بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين العديد من التيارات والفرق الباطنية والأخرى المغالية عبر التاريخ .
وقد بلغت ذروة مشهد الابتداع حين أضحت الخلافة الإسلامية القائمة على العلم والفقاهة والعدالة مُلكاً عضوضاً للمارقين والفاسقين , وأصبحت البيعة – وهي الصيغة المتقدمة سياسياً من حيث الاختيار الحر للأمة – أصبحت إكراهاً بالسيف والقهر وسلب الكرامة الإنسانية ، هنا قال الإمام الحسين (عليه السلام) كلمته المشهورة : " ومثلي لا يبايع مثله " متمثلاً العزة والإباء وروح الجهاد المقدس .
وتمثل الوجه الآخر من الابتداع في الثقافة الإلتقاطية كالمرجئة والقدرية والجبرية والخوارج الذين شوّشوا على الأمة رؤيتها السياسية وكرّسوا واقع التسلط على رقاب الناس ، كما أسهمت نزعة الرهبنة بما تعني من الانفصال عن مسؤوليات الحياة في شيوع روح التخاذل والسلبية وتصوف من نوع جديد يدعو إلى الانعزال والتعويض عن تحمل واجبات الجهاد والإصلاح بالجلوس في زوايا المسجد وترديد ذكر الله وتقديم النصائح الأخلاقية .
وقد واجَهَ الإمام علي (عليه السلام) هذه التيارات ونَعَتَهم بأتباع الأفكار الدخيلة حيث قال عنهم : " أخوان عبدة الأوثان " ، وأنهم يشكّلون أعظم خط انحرافي في الأمة فقال عنهم : " هم قدرية هذه الأمة ومجوسها " .
إن المتتبع لمراحل التاريخ الإسلامي يجدها لم تخلو من جماعات أو فِرَق تبنّت الدعوة إلى تنقية العقيدة وإصلاحها ونشدت التوحيد الخالص ، لكنها كانت على الدوام تقع في إشكالية الفهم التجزيئي للإسلام وفهم مقاصده ، والخلط بين الوسائل والغايات ، فكانت تكرّس واقع الجمود في الأمة ، أو تصبح مدخلاً للتطرف والفكر التكفيري وشق صف الأمة ، والمفارقة أنها بدل أن تنفتح على مدرسة أهل البيت التوحيدية اتخذت موقف الريبة والعداء يصل الأمر إلى تهمة الابتداع .
إن ذكرى عاشوراء تأتي كل عام لتضع المسلمين من جديد أمام أولويات إصلاح الفكر ومناهضة الاستبداد وإنكار البدع في واقعهم من خلال الفهم المستنير لكتاب الله عبر روايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم ، فهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة وأمناء الوحي وخزنة الكتاب ومعدن العلم .
كما تضاعف الذكرى المهام على الأتباع في ربط الأجيال المعاصرة بقنوات التوجيه الأصيلة لانتهال العقائد الصافية والمضامين الروحية الأصيلة ، وتحصينهم من الموجات الصوفية المتلونة بأثواب جديدة ، فالملاحظ أثر إحياء المناسبات الشيعية في تنمية الوعي الديني عند الإنسان الشيعي عبر التزام الأحكام الشرعية واستقائها من مصادرها المنضبطة عبر التواصل المباشر مع المرجعيات أو الوكلاء أو الرسائل العملية ، في حين يضطرب الأمر على مستوى دوائر التثقيف والتوجيه الروحي حين يرتقي الأمر أمثال (الروحانيون الجدد) ممن لا تسعفهم مؤهلات فقهية أو شرعية ، حتى أصبحت ثقافة الأحلام تصبغ حركة المسلم وترسم أولوياته بديلاً عن الرؤية القرآنية والتدبر في مضامينها .
كما تسهم الثقافة الإيحائية وأوراد الدروشة وأبعاد أخرى خفية تتستّر بالإلهام - إدعاءً -لتغييب عقل المسلم وإغراقه في الأوهام بعيداً عن هموم المجتمع وقضاياه ومتطلبات السعي والبناء ، فالصوفية في نهاية الأمر ترى أن فناء الإنسان في العدم والسلبية هو المنهج الموصل إلى الحقيقة وتصل إلى نبذ النظم الدينية والاكتفاء بالصفاء الروحي خلافاً لمنهج أهل البيت (عليهم السلام) الذين كانوا رهبان الليل وفرسان النهار .
__________________