المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البحرين والإمام الحسين (ع)


أبو خليل
05-13-2005, 11:48 AM
البحرين والإمام الحسين (ع)

منير أبو الليرات
http://www.qateefiat.com/pic/moneer-abu-allerat.jpg

ما أن تنتهي من إجراءات التفتيش في جسر الملك فهد، وتطأ قدمك أرض مملكة البحرين، وتسلك طريق البديع، مبتدأ بجد حفص وماراً بالديه والسنابس إلى أن تحط برحالك في العاصمة المنامة، إلاّ وتجد ما يعبّر عن ارتباط وثيق بين جلّ أهل البحرين وبين الإمام الحسين (ع)...

تجلّى المشهد أمامي في ليلة أربعينية الحسين هذا العام 1426هـ، واستوقفتني عدة ظواهر. أجد نفسي تهيم في الحديث عنها، وتصويرها كما هي أو كما يمكنني أن أقرأها فنياً ونفسياً.


السواد يخيّم على المدينة، ويشكّل عامل التقاء بين الذكور والإناث، فكلاهما يلف جسده بالسواد دون أن يتشبه أحدهم بالآخر. الدكاكين شبه مغلقة والشوارع مكتظة بالمارة. أصوات تعلو من داخل المآتم والمساجد بالمراثي الحسينية، والنساء اصطففن على دفتي الطريق ينتظرن وصول المواكب العزائية. البعض يريد خدمة الحسين والبعض الآخر يريد من الحسين أن يخدمه !


في الطريق تجد ما لذ وطاب من المأكولات، وأنواع عدة من (الشربت ) والشاي ( المخَدَّر ) الذي يزن الرأس. عند زاوية من الشارع تجد مخيماً. فيه عرض نموذجي للمطالبة بحقوق الإنسان داخل البحرين، واستعراض للمسيرات والفعاليات التي أقيمت من أجل كرامة المواطن، مع التركيز على الولاء للوطن فقط وفقط. في زاوية أخرى تجد شاباً يقف أمام شاشة ضخمة. يشرح للمارة عن الممارسات اللانسانية التي تجري داخل السجون البحرينية، مرافقاً لذلك عرض لبعض الصور التي تقشعر لها الأبدان، في محاولة لاستثارة الضمير وتشكيل قوى ضاغطة على الجهات المعنية.

بعد هذه الزاوية تقدمت قليلا لتقف بي قدماي عند زاوية العاطلين عن العمل أو المعطلين عن العمل، في هذه الزاوية تجد الحديث عن الأجانب كيف يقبعون في المراكز المهمة في الدولة، عن عدد الجامعيين الذين بلا وظائف، عن المحرومين حتى من الرغيف، عن المستوى المعيشي المتهالك، وعن عقبات الحرمان وما يتولد منه. وأخيرا في هذه الزاوية تستطيع أن تسجل أسمك ورقم هويتك في العريضة التي ستقدم لوزارة الأشغال.


أما الآن فقد جاء دور المواكب ودوي العزاء الذي يَطربُ الأسماع والأفئدة. موكب يتلوه موكب، أصوات كصوت العندليب، وجموع تسير بمنهجية منظمة. المواكب كثر ولا عليك سوى أن تختار ما تجد نفسك تميل معه. سمعت صوتاً أعجمياً حزينا ً فهرعت إليه رغم أني لا أفهم حديثه، إلا أنني عشت مع ذلك الصوت حالة روحية فريدة، فكان عندي كمقطع موسيقي قام بتحريك مشاعري، فأدخلني في محطات من الخيال وجعلني أهيم مع كربلاء. بعدها وقفت مع المتفرجين والمواكب تعدو من أمامي، أيادٍ تلطم على الصدور وأجساد تتمايل في نغمٍ روحي.وما هي إلاّ برهة من الوقت والرادود المخضرم ( مهدي سهوان ) يلمع نجمه ويُسْمَعُ صوته، فَيَلجُ الواقفون في موكبه في حركة هستيرية لما يحمل هذا الرجل من كريزما بين أوساط الشباب. أما مُحبي العزاء العراقي (الراقي والحزين) فقد تجمهروا أمام مأتم القصاب العريق وتزاحموا بداخله. الكل يريد رؤية وسماع الرادود الحسيني ( باسم الكربلائي ) فهو يعلى ولا يعلى عليه كما يقول محبيه، ذهبت إلى هناك حيث الكربلائي يغرد بحنجرته الذهبية، فتمنيت لو أنني أستطيع رؤيته كل يوم. بعد الكربلائي وقفت مع المتفرجين من جديد لأرى ما تبقى من الكرنفال الحسيني البحريني الرائع...


موكب الزينبية، يتقدمهم رجلٌ مُسنٌ ذي عمامةٍ بيضاء وجُبَّة سوداء، ليدل على نفسه بأنه رجل دين. يُمسكُ بيده اليمنى سيفاً، يحركه تارة إلى الأعلى وتارة أخرى إلى الأسفل. إلاّ أنه لا يَضربُ نفسه به !؟ خلف هذا الشيخ تُقرَعُ الطبول، وكأنّ حرباً ضروساً ستأتي. نفرٌ قله يخرجون مع هذا الشيخ ( مقارنة بالمواكب الأخرى ). بعضهم قد شجَّ رأسه بالسيف، فلا ترى منه إلا وجه قد غمرته الدماء في منظر مخيف، تشيح الجماهير بوجهها عن رؤيته. حاولت أن أتغلّب على نفسي وأمعن النظر في أفراد هذا الموكب، فرأيت رجلا اكتسى وجهه بالدم وبين شفتيه سيجارة وقد اختلطت رائحة الدم بالدخان فأحدث في عقلي عفونة. في نفس الموكب لم تكن السيوف هي وحدها التي تلمع وتبرق، بل كان هناك من جَمَعَ عدة سكاكين وعَقَدَها في سلسلة ليتمكن من الضرب بها على ظهره. كانت الجروح عميقة والدم يتطاير أحيانا مع الضرب على الواقفين. بعد هذه المشاهد الدموية جلست أسأل نفسي : لماذا يقوم هؤلاء بهذه الأفعال ؟ ولماذا الشيخ الذي يتقدم الموكب لا يخلع عمامته ويقوم بضرب رأسه!؟ أيوجد من المراجع من يخرج اليوم إلى الشارع ويقوم بمثل هذا الفعل ؟ وهل فَعَلَ ذلك أئمتنا (ع)؟ أيقبل أحدنا أن يذهب بطفله الصغير ليرى مثل هذه المناظر؟؟


أنا هنا أسأل فقط والإجابة لديكم.. ولكي لا يترجمني البعض على أني مشرّع يتحدّث فيما لا يخصه، أنا لم أعرض الموضوع من الناحية الشرعية وإنما قمت بتصوير ما رأيت، مع نقل للحالة النفسية التي رأيتها ترتسم على وجوه الكثيرين من محبي الإمام الحسين(ع)..






http://www.qateefiat.com/text.php?nid=1129