بن زيد
06-07-2005, 05:35 PM
جدار المالكية ليس أعتى من جدار برلين
- منصور الجمري
يوم أمس زرت جدار العزل في المالكية للمرة الثانية خلال أسبوع، واستغربت كيف ان الجدار اكتمل بهذه السرعة الفائقة، وكيف تم تسليحه بالحديد والخرسانة، وكيف امتد إلى داخل البحر وعزل أهل المالكية عن مياههم التي عرفوها وعرفتهم منذ آلاف السنين.
الذاكرة عادت بي إلى العام 1979 ومن ثم إلى العام .1989 ففي العام 1979 كنت بدأت الدراسة في بريطانيا وكان أحد المحاضرين يتحدث إلينا عن تاريخ أوروبا، وعن "جدار برلين" الذي تم تشييده في العام 1967 ليفصل بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. حين وصل إلى الحديث عن الجدار علق بالقول: "هذا الجدار سيبقى إلى الأبد، لأنه إذا حاول أحد إزالته فستقوم الحرب العالمية الثالثة وستقضي على البشرية، لأن الاتحاد السوفياتي وأميركا لديهما آلاف الرؤوس النووية على جانبي الجدار، وكل رأس نووي تفوق قدرته التدميرية ما شهدته هيروشيما اليابانية بمئات وآلاف المرات". وعليه، كان الاستنتاج، أن هذا الجدار سيبقى إلى أمد غير محدود ولن يزول.
جدار برلين كان يبلغ طوله نحو 155 كيلومترا، بينها 43 كيلومترا، كانت تشق برلين نفسها من الشمال إلى الجنوب، وكان محصنا بأكثر من مئتي قلعة لمراقبته، وكان يحرسه على مدار الساعة نحو 14 ألف شخص معززين بـمئات الكلاب البوليسية.
لم يكن أستاذ التاريخ الوحيد الذي كان يردد هذا الكلام، ففي العام 1988 "قبل عام من انهيار الجدار" قال الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران: "لا اعتقد أن سقوط الجدار أمر ممكن اليوم، فهذه قضية الأجيال القادمة". وقبل فترة وجيزة من انهيار الجدار في العام ،1989 كانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تكرر اعتقادها بعدم قرب توحيد الألمانيتين وزوال الجدار.
في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ،1989 بعد عشر سنوات من سماع ما قاله أستاذ التاريخ، اختفى الجدار الذي عزل برلين الشرقية عن برلين الغربية، ولم تحدث الحرب العالمية الثالثة، بل تعانق الناس مع بعضهم بعضا وهم يعلنون "الإنسان أولا"...
الفرق بين برلين والمالكية ليس كثيرا، على رغم اختلاف الزمان والمكان. فجدار برلين كان يتحدى الإنسان، وجدار المالكية أيضا يتحدى الإنسان. الجداران يطرحان أن الإنسان ليس مهما وليس له أي اعتبار، والقانون الذي من المفترض أن يطبق على الجميع ليس له أيضا أي احترام أو اعتبار. وزير شئون البلديات والزراعة علي الصالح تفقد الموقع، ولكنه أيضا كاد أن يطرد من المكان هو ومن معه، على رغم أنه كان مكلفا من القيادة السياسية بالذهاب إلى الموقع ومن ثم كتابة تقرير عنه.
الغرب الديمقراطي يتحدث عن سيادة القانون على الجميع كشرط أساسي من شروط الديمقراطية، ولكن قبل الغرب كان الرسول "ص" يقول ذلك، فالناس "سواسية كأسنان المشط"، وأن عقوبة السرقة تطبق على الجميع حتى لو كانت فاطمة الزهراء "ع".
إننا ندعو إلى تطبيق حكم القانون على الجميع، وهذا ما يدعو إليه ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أعلنت الحكومة نيتها توقيعه. حكم القانون هو الضمانة للجميع، وهو ما ننشده جميعا، وهو ما أكده جلالة الملك من خلال طرحه المشروع الإصلاحي.
إن أهالي المالكية من الذين شاركوا بشكل واسع في الانتخابات البرلمانية في العام ،2002 وكانوا بذلك من القلائل في منطقة محسوبة على نفوذ الجمعيات السياسية المقاطعة. وعليه، لا ندري ما الرسالة التي تود السلطة إرسالها إليهم عبر عدم اتخاذها أي إجراء بشأن الجدار العازل؟
لماذا يحن أهل المالكية إلى الفرضة والبحر؟
الوسط - قاسم حسين
من جميل ما يميز هذا الشعب أنه يواكب الجديد، يطلع على تجارب الآخرين دون عقد أو تشدد.
سمته الأساسية الانفتاح على الخارج، وهي خصلة أورثها له ركوب البحر والعيش في جزر يحيطها الماء من كل جانب.
من مظاهر مواكبة الجديد، هذا الكم الهائل من المنتديات والحواريات على شبكة الانترنت، حتى لا تكاد تخلو منطقة ولا قرية من هذه المنتديات الالكترونية، بل ان بعض المناطق لها عدة مواقع تتنافس على تمثيل هذه المناطق والقرى.
على أن ما يميز موقع قرية "المالكية"، هو اختيار الشباب القائمين عليه مفردات مستمدة كلها من البحر، بدءا من تسمية المنتدى: "البحر العام"، إلى بحر الديرة، والبحر الاجتماعي والتربوي، والبحر الفني والتقني، والبحر العلمي والطبي، والبحر الرياضي والترفيهي. هذه البحور تتفرع إلى سواحل: الساحل الوطني والسياسي والديني والأدبي، وساحل الأسرة والطالب والدراسات الاكاديمية والكمبيوتر والانترنت والتصاميم والهواتف النقالة. السواحل نفسها تتفرع بدورها إلى فروع أخرى، اختار لها المشرفون اسما بحريا آخر: "الفرضة"، من فرضة الاستفتاءات الشرعية والبرامج، إلى فرضة الدرر الفاخرة... كلها مفردات بحرية تعكس الحنين إلى البحر. ولعل المرء يتساءل: هل جاء هذا الاختيار عفويا استيحاء من بيئة قرية ساحلية، أم ان المشرفين على هذا المنتدى كانوا يدركون بالحاسة السادسة ان القدر كان سيخبئ لقريتهم مأساة تذكرهم قسرا بجدار شارون في فلسطين المحتلة؟
على أن الفرق كبير بين أن تسمع وأن ترى. وهكذا كنت على موعد مع الجدار العازل صباح يوم الأحد الماضي، إذ كان بانتظارنا أحد شباب القرية في ذلك الشريط الساحلي المخنوق. كانت السيارة بالكاد تعبر ما تبقى من الشارع المحصور بين جدارين: عن يمينك جدار وعن شمالك جدار، كأن المتنبي كان يقصده حين قال:
وسوى الروم خلف ظهرك روم فعلى أي جانبيــــك تميــــــــــل؟
فعن يمينك جدار المتنفذ الذي يعتبر نفسه فوق القانون والدستور والحكومة وهيبة الدولة وأرزاق مئة عائلة بحرينية، وعن شمالك جدار لأمير دولة خليجية، لا يعرف يقينا أين تقع هذه القرية ولا أن له حديقة باسمه يحتدم الخلاف بشأن منطقتها الآن، رغم انها باتت مهجورة ليس فيها غير العوسج والأعشاب الضارة!
ما تبقى من الساحل "نتفة" صغيرة، ربما لا تزيد على مساحة ملعب كرة قدم، وفي هذه البقعة المحصورة بين الجدارين، تقف أمامك "طرادات" الصيادين والفقراء الكادحين، الذين يخرجون نهارهم لانتزاع لقمتهم ولقمات عوائلهم من البحر، ليبيعوا الصيد في سوق القرية القريب.
عددت الطرادات بنفسي، فكانت حوالي 65 طرادا، وعندما سألت الشاب المرافق عن العدد الاجمالي قال بأنها في حدود المئة، ولكن بعضها الآن خرج إلى البحر "كانت الساعة العاشرة والنصف".
واصطحبنا الشاب في جولة إلى عرض البحر. ومن بعيد، كنت تشاهد حدود المنطقة المحرمة. كنا أسعد حالا من وزير البلديات علي صالح الصالح الذي سبقنا في جولة مماثلة قبل يوم واحد، إذ تلقى صرخات تحذيرية من اثنين من حراس أعمال السخرة الذين يذكرونك بأيام تشييد الاهرامات على أيدي العبيد. أما في جولتنا فقد كان الاثنان جالسين أمام طاولة يلوحان لنا بأيديهما، ربما هي تعليمات السادة لتحسين التعامل مع الزوار الذين ستتكاثر أعدادهم في هذه الفترة للساحل المقتول!
كنت أفكر في العمال الاجانب، الذين يتم تسخيرهم في بناء الجدار العازل، بم يفكرون؟ فمما لاشك فيه انه لم يحصل لهم ان عملوا بمشروع بناء حاز على كل هذا الاهتمام والتغطية الصحافية في تاريخ البحرين! وبالتالي هم مستغربون من تردد الزوار على رؤيتهم في هذا الموقع المعزول، فهم لم يحلموا ان يكلف شخص نفسه التقاط صور لهم في مواقع العمل الشاق، فكيف أصبحوا في بؤرة الاهتمام بين ليلة وضحاها! بل ان وزيرا كبيرا زارهم، بصحبة عدد من نواب البرلمان ومسئولي المجالس البلدية والمحافظة، فضلا عن جموع من الصحافيين والمواطنين!
وعندما تدور حول المنطقة المحرمة، يجابهك قصر أحد الوزراء، وأمامه سفينة تلمح على ظهرها عددا من العمال أو "النوتية". وهناك فرضة أنيقة جميلة، لا تدري كم كلف تشييدها من الأموال، وكم يصرف عليها شهريا. على ان المبنى ولو بدا قصرا، إلا انه قصر صغير، ومن الواضح انه محطة ترويحية ليس إلا. ربما لأوقات الفراغ والاسترخاء من زحمة العمل الوزاري الشاق!
في وسط البحر، كنت أنزل يدي لألمس الماء قبل أن يصبح لمسه من المحرمات، في آخر لقائنا بالبحر. وفي نهاية الجولة، كنت أشاهد صغار السمك يتقافز هربا من محرك الطراد، وربما هربا من الساحل المختنق ويتجه نحو الأعماق، لعله يبحث عن حياة جديدة بعد ان ضيق عليه الجشع سبل الحياة. وربما ليبقى شاهدا على عصر نطمح أن يكون عنوانا للإصلاح، فيما يصر آخرون على اعتباره شاهدا على بقاء زمن السخرة والرق والفساد والاستئثار.
- منصور الجمري
يوم أمس زرت جدار العزل في المالكية للمرة الثانية خلال أسبوع، واستغربت كيف ان الجدار اكتمل بهذه السرعة الفائقة، وكيف تم تسليحه بالحديد والخرسانة، وكيف امتد إلى داخل البحر وعزل أهل المالكية عن مياههم التي عرفوها وعرفتهم منذ آلاف السنين.
الذاكرة عادت بي إلى العام 1979 ومن ثم إلى العام .1989 ففي العام 1979 كنت بدأت الدراسة في بريطانيا وكان أحد المحاضرين يتحدث إلينا عن تاريخ أوروبا، وعن "جدار برلين" الذي تم تشييده في العام 1967 ليفصل بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. حين وصل إلى الحديث عن الجدار علق بالقول: "هذا الجدار سيبقى إلى الأبد، لأنه إذا حاول أحد إزالته فستقوم الحرب العالمية الثالثة وستقضي على البشرية، لأن الاتحاد السوفياتي وأميركا لديهما آلاف الرؤوس النووية على جانبي الجدار، وكل رأس نووي تفوق قدرته التدميرية ما شهدته هيروشيما اليابانية بمئات وآلاف المرات". وعليه، كان الاستنتاج، أن هذا الجدار سيبقى إلى أمد غير محدود ولن يزول.
جدار برلين كان يبلغ طوله نحو 155 كيلومترا، بينها 43 كيلومترا، كانت تشق برلين نفسها من الشمال إلى الجنوب، وكان محصنا بأكثر من مئتي قلعة لمراقبته، وكان يحرسه على مدار الساعة نحو 14 ألف شخص معززين بـمئات الكلاب البوليسية.
لم يكن أستاذ التاريخ الوحيد الذي كان يردد هذا الكلام، ففي العام 1988 "قبل عام من انهيار الجدار" قال الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران: "لا اعتقد أن سقوط الجدار أمر ممكن اليوم، فهذه قضية الأجيال القادمة". وقبل فترة وجيزة من انهيار الجدار في العام ،1989 كانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تكرر اعتقادها بعدم قرب توحيد الألمانيتين وزوال الجدار.
في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ،1989 بعد عشر سنوات من سماع ما قاله أستاذ التاريخ، اختفى الجدار الذي عزل برلين الشرقية عن برلين الغربية، ولم تحدث الحرب العالمية الثالثة، بل تعانق الناس مع بعضهم بعضا وهم يعلنون "الإنسان أولا"...
الفرق بين برلين والمالكية ليس كثيرا، على رغم اختلاف الزمان والمكان. فجدار برلين كان يتحدى الإنسان، وجدار المالكية أيضا يتحدى الإنسان. الجداران يطرحان أن الإنسان ليس مهما وليس له أي اعتبار، والقانون الذي من المفترض أن يطبق على الجميع ليس له أيضا أي احترام أو اعتبار. وزير شئون البلديات والزراعة علي الصالح تفقد الموقع، ولكنه أيضا كاد أن يطرد من المكان هو ومن معه، على رغم أنه كان مكلفا من القيادة السياسية بالذهاب إلى الموقع ومن ثم كتابة تقرير عنه.
الغرب الديمقراطي يتحدث عن سيادة القانون على الجميع كشرط أساسي من شروط الديمقراطية، ولكن قبل الغرب كان الرسول "ص" يقول ذلك، فالناس "سواسية كأسنان المشط"، وأن عقوبة السرقة تطبق على الجميع حتى لو كانت فاطمة الزهراء "ع".
إننا ندعو إلى تطبيق حكم القانون على الجميع، وهذا ما يدعو إليه ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أعلنت الحكومة نيتها توقيعه. حكم القانون هو الضمانة للجميع، وهو ما ننشده جميعا، وهو ما أكده جلالة الملك من خلال طرحه المشروع الإصلاحي.
إن أهالي المالكية من الذين شاركوا بشكل واسع في الانتخابات البرلمانية في العام ،2002 وكانوا بذلك من القلائل في منطقة محسوبة على نفوذ الجمعيات السياسية المقاطعة. وعليه، لا ندري ما الرسالة التي تود السلطة إرسالها إليهم عبر عدم اتخاذها أي إجراء بشأن الجدار العازل؟
لماذا يحن أهل المالكية إلى الفرضة والبحر؟
الوسط - قاسم حسين
من جميل ما يميز هذا الشعب أنه يواكب الجديد، يطلع على تجارب الآخرين دون عقد أو تشدد.
سمته الأساسية الانفتاح على الخارج، وهي خصلة أورثها له ركوب البحر والعيش في جزر يحيطها الماء من كل جانب.
من مظاهر مواكبة الجديد، هذا الكم الهائل من المنتديات والحواريات على شبكة الانترنت، حتى لا تكاد تخلو منطقة ولا قرية من هذه المنتديات الالكترونية، بل ان بعض المناطق لها عدة مواقع تتنافس على تمثيل هذه المناطق والقرى.
على أن ما يميز موقع قرية "المالكية"، هو اختيار الشباب القائمين عليه مفردات مستمدة كلها من البحر، بدءا من تسمية المنتدى: "البحر العام"، إلى بحر الديرة، والبحر الاجتماعي والتربوي، والبحر الفني والتقني، والبحر العلمي والطبي، والبحر الرياضي والترفيهي. هذه البحور تتفرع إلى سواحل: الساحل الوطني والسياسي والديني والأدبي، وساحل الأسرة والطالب والدراسات الاكاديمية والكمبيوتر والانترنت والتصاميم والهواتف النقالة. السواحل نفسها تتفرع بدورها إلى فروع أخرى، اختار لها المشرفون اسما بحريا آخر: "الفرضة"، من فرضة الاستفتاءات الشرعية والبرامج، إلى فرضة الدرر الفاخرة... كلها مفردات بحرية تعكس الحنين إلى البحر. ولعل المرء يتساءل: هل جاء هذا الاختيار عفويا استيحاء من بيئة قرية ساحلية، أم ان المشرفين على هذا المنتدى كانوا يدركون بالحاسة السادسة ان القدر كان سيخبئ لقريتهم مأساة تذكرهم قسرا بجدار شارون في فلسطين المحتلة؟
على أن الفرق كبير بين أن تسمع وأن ترى. وهكذا كنت على موعد مع الجدار العازل صباح يوم الأحد الماضي، إذ كان بانتظارنا أحد شباب القرية في ذلك الشريط الساحلي المخنوق. كانت السيارة بالكاد تعبر ما تبقى من الشارع المحصور بين جدارين: عن يمينك جدار وعن شمالك جدار، كأن المتنبي كان يقصده حين قال:
وسوى الروم خلف ظهرك روم فعلى أي جانبيــــك تميــــــــــل؟
فعن يمينك جدار المتنفذ الذي يعتبر نفسه فوق القانون والدستور والحكومة وهيبة الدولة وأرزاق مئة عائلة بحرينية، وعن شمالك جدار لأمير دولة خليجية، لا يعرف يقينا أين تقع هذه القرية ولا أن له حديقة باسمه يحتدم الخلاف بشأن منطقتها الآن، رغم انها باتت مهجورة ليس فيها غير العوسج والأعشاب الضارة!
ما تبقى من الساحل "نتفة" صغيرة، ربما لا تزيد على مساحة ملعب كرة قدم، وفي هذه البقعة المحصورة بين الجدارين، تقف أمامك "طرادات" الصيادين والفقراء الكادحين، الذين يخرجون نهارهم لانتزاع لقمتهم ولقمات عوائلهم من البحر، ليبيعوا الصيد في سوق القرية القريب.
عددت الطرادات بنفسي، فكانت حوالي 65 طرادا، وعندما سألت الشاب المرافق عن العدد الاجمالي قال بأنها في حدود المئة، ولكن بعضها الآن خرج إلى البحر "كانت الساعة العاشرة والنصف".
واصطحبنا الشاب في جولة إلى عرض البحر. ومن بعيد، كنت تشاهد حدود المنطقة المحرمة. كنا أسعد حالا من وزير البلديات علي صالح الصالح الذي سبقنا في جولة مماثلة قبل يوم واحد، إذ تلقى صرخات تحذيرية من اثنين من حراس أعمال السخرة الذين يذكرونك بأيام تشييد الاهرامات على أيدي العبيد. أما في جولتنا فقد كان الاثنان جالسين أمام طاولة يلوحان لنا بأيديهما، ربما هي تعليمات السادة لتحسين التعامل مع الزوار الذين ستتكاثر أعدادهم في هذه الفترة للساحل المقتول!
كنت أفكر في العمال الاجانب، الذين يتم تسخيرهم في بناء الجدار العازل، بم يفكرون؟ فمما لاشك فيه انه لم يحصل لهم ان عملوا بمشروع بناء حاز على كل هذا الاهتمام والتغطية الصحافية في تاريخ البحرين! وبالتالي هم مستغربون من تردد الزوار على رؤيتهم في هذا الموقع المعزول، فهم لم يحلموا ان يكلف شخص نفسه التقاط صور لهم في مواقع العمل الشاق، فكيف أصبحوا في بؤرة الاهتمام بين ليلة وضحاها! بل ان وزيرا كبيرا زارهم، بصحبة عدد من نواب البرلمان ومسئولي المجالس البلدية والمحافظة، فضلا عن جموع من الصحافيين والمواطنين!
وعندما تدور حول المنطقة المحرمة، يجابهك قصر أحد الوزراء، وأمامه سفينة تلمح على ظهرها عددا من العمال أو "النوتية". وهناك فرضة أنيقة جميلة، لا تدري كم كلف تشييدها من الأموال، وكم يصرف عليها شهريا. على ان المبنى ولو بدا قصرا، إلا انه قصر صغير، ومن الواضح انه محطة ترويحية ليس إلا. ربما لأوقات الفراغ والاسترخاء من زحمة العمل الوزاري الشاق!
في وسط البحر، كنت أنزل يدي لألمس الماء قبل أن يصبح لمسه من المحرمات، في آخر لقائنا بالبحر. وفي نهاية الجولة، كنت أشاهد صغار السمك يتقافز هربا من محرك الطراد، وربما هربا من الساحل المختنق ويتجه نحو الأعماق، لعله يبحث عن حياة جديدة بعد ان ضيق عليه الجشع سبل الحياة. وربما ليبقى شاهدا على عصر نطمح أن يكون عنوانا للإصلاح، فيما يصر آخرون على اعتباره شاهدا على بقاء زمن السخرة والرق والفساد والاستئثار.