المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف كانوا يحتفلون بالمولد النبوي الشريف من 40 عاما ؟


كسر الظلام
04-18-2006, 06:07 PM
كيف كانوا يحتفلون بالمولد النبوي الشريف من 40 عاما ؟
من عادة المصريون أن يفرحوا بأعيادهم ، فيبهجون أطفالهم ، ويروحون عن نسائهم ، ويتخففون قليلا من أعبائهم ، في شتى المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية ، ومن بينها احتفالهم بذكرى المولد النبوي الشريف.
وبالطبع كانت الاحتفالات قبل 30ـ 40 سنة شيء مختلف تماما عما نراه اليوم ، فحينما كنت طفلا كنا ننتظر هذا اليوم قبل فترة طويلة ، حيث يقع بيت عائلة جدي المرحوم (الحاج توفيق الفيل ) والد المرحوم مصطفى ـ أبي ـ بالشارع الموازي لسوق البلح ، وهناك عائلة حمص ( لاحظ دلالة الاسم ) ، ومن عندهم تبدأ السيـّـارة ( من فضلك بشدة على السين ) .
الحاج عبد الحليم حمص صاحب طريقة الحامدية الشاذلية ، ومنذ الصباح تتوافد جموع المشايخ من القرى والعزب والنجوع القريبة ، ليفترشوا الطريق أمام المنزل العتيق ، حيث رجال الطرق المختلفة ، يجلسون في الظل ويحصلون على قسط من الراحة ، ثم حين يأتي موعد الغذاء يمتد البساط على امتداد شارع سوق البلح ، حيث توزع أطباق اللحم والفتة ، وهناك الزير في أقصى الحارة ، أما الحلو فهي " أمشاط الست " ( هي حلوى بيضاء بالسمسم رقيقة جدا جدا ولذيذة جدا جدا ) وكلما اقتربت الساعة الحاسمة شعرنا بالسعادة أننا سنشاهد السيـّـارة .
تبدأ السيارة بصفوف متراصة من السادة أصحاب الطريقة ، وأعلام خضراء بصواري عالية جدا نقش على قماشها أسماء هي كما أتذكرها " محمد" ، " أبو بكر " ، " عمر " ،" عثمان " ، ويمضون من الشارع باتجاه سوق الحسبة حيث دقات الطبول والدفوف ، والكاسات التي تصدح بالطرق النحاسي" توش توش تش .. توش توش تش" فيما صفوف وراء صفوف من أهل الطريقة يذكرون بتطويح الجسم باقصى ما يمكنهم يمنة ويسرة فيما الذراعين في وضع ابتهال خاشع بأكف ضارعة إلى المولى أن يلطف بهم ، صائحين " الله حي " بدون انقطاع مهما صادفهم من مشقة أو إرهاق..
تستمر المسيرة ، وكل شيخ له طريقة ، وكل طريقة لها أعلامها ، وصواريها ، وباستثناء الشيخ حمص وعدد لا يزيد عن خمسين بندريا ( نسبة إلى بندر دمياط ) لا يوجد سوى جماعات كثيرة جدا من فلاحين يطوحون الجسد يمنة ويسارا وعرقهم الغزير قد تحبب فوق وجوههم .
ليس هذه أغرب المشاهد بل تلك المعجزات التي نراها مرتين سنويا حيث يوخز البعض من عراة الصدور أجسادهم بأبر حديدية ويدخلون أسياخا من أشداقهم لتخرج من الجهة المقابلة بدون نقطة دم واحدة ، ونحن نقترب منهم نتحسس صدورهم واشداقهم ، مناخيرهم المثقوبة وآذانهم غير مصدقين ، وحفظة النظام من عتاة المشايخ يهشوننا ويلعنون تربيتنا !.
السيارة للرجال فقط ، فهل يغيب النساء عن مناسبة كهذه؟ طبعا لا ففي المساء لهم صيوان مخصوص " يذكرن " فيه بضورة اعنف ، وهو يجمع السيدات والآنسات من أصحاب الأعذارفهناك من تكون قد مـُـست أو تأخر زواجها ، أو مرضت مرضا مزمنا فالذكرـ بالشدة مكسورة على الذاي ـ هو فرصة العمر لتخريج الشحنة المكبوتة تحت دعوى دينية مقبولة ومتسامحة وغالبا ما تشفى المريضة وتعود عافيتها بعد سهرة الذكر ، وغير مسموح بتاتا باختلاط الرجال والنساء ، فلكل منهم صيوانه مع وجود صيوان ثالث لرجال الموشحات ممن لهم أصوات جميلة ( هل تتذكرون الشيخ السيد النقشبندي ؟) .
أهل البندر ـ منذ صغرهم ـ يتفرجون ولا يذكرون ، أما الريفيون فأغلبهم ينخرط في الذكر ، وبين كل " طوفة " وأخرى مدة نصف ساعة للراحة وشحذ الهمة ، والتقاط الانفاس المقطوعة .
ماذا في السيارة أيضا؟ الجانب الرسمي من رجال الشرطة ببنادقهم الخشبية من طراز " الموزر " أو " لي أنفيلد " ، ورجال السواحل بقواربهم محمولة على عربة مكسحة ، والمطافيء باللون الأحمر الشهير ( وهنا أتذكر العقيد محمد عظمة وهو أكبر وأضخم انسان رأته عيني منذ ولدت سنة 1951 وحتى الآن، وكنت في سني الصغير أسخر منه نظرا لضخامته باعتبار أن حريقا لو شب لن يجعله الجسد الديناصوري يتحرك ، حتى وقعت الواقعة واشتعل مخزن العفني للموبليات ورأيت الرجل بخفة فراشة ، وقلب أسد حتى أنني تعجبت أهو عهظمة الذي يتكاثر الشحم على صدره بتلك الصورة المهولة ؟
رأيته يقتحم النار ممسكا خرطوم المياه لأن العسكري المجند خشى على نفسه من شدة النيران) .. سرحت وتركت المولد كعادتي .
لكن سأعود للسيـّـارة التي تتجه من حي سوق البلح مخترقة سوق " العرصة " ، ثم شارع البحر (لكنه النيل نفسه ) ، ثم سوق السمك ( مازال يحمل نفس الإسم ) ، ثم سوق الحسبة فحي صلاح الدين حيث تنتهي السيـّارة عند منطقة المدافن حيث يرقد أبي على مقربة من ضريح جمال الدين شيحة رفيق سيف الدين قطز في قتال الفرنجة أيام الحروب الصليبية ( يرجع إلى السيرة الشعبية ومنها نفهم أن شخصية شيحة تجمع بين إمكانية الوجود التاريخي الفعلي مع احتمال المسحة الأسطورية لأفاعيله السحرية ) .
على أطراف المدافن ، وبالقرب من حافتها يكون السرادق وفيه محافظ البلد، ومدير الأمن ، ووجهاء المحافظة من نواب الشعب والشورى.
هناك وداخل السرادق الكبير تتلى سور القرآن وينصرف الرسميون ليستمر الاحتفال الشعبي حتى الفجر.

كل هذا اندثر الآن ، وصارت السيارة رسمية مع صف أو صفين من أهل الطرق لا يذكرون بل يسيرون بالأعلام والأوشحة ، كما أن الأطفال لم يعد فيهم من يتكتل عند مرور السيارة عند مفارق الطرق والنواصي فهم داخل مقاهي النت التي اكتسحت المدينة ، وصارت أكثر عددا من محلات وورش الموبليات.
حاليا لم يعد شيء يخص المناسبة سوى حلوى المولد وهي عبارة عن أمشاط بالأبيض والأحمر : سمسمية ، فولية ، لديدة ، مشبك ، والحمص ضروري ولا ينافسه غير حب العزيز .
سألت مرة الشاعر عبد العزيز حبة وبيت العائلة يقترب من المدافن عن سبب اللقب فكان السر هو وجودهم بالقرب من حي المولد ( لاحظ أن حب العزيز من أهم مفردات الاحتفال بالمولد ويحبه الأطفال جدا ، وهناك أغنية شعبية كانت تقول : " حب العزيز الربع بقرش ، لكن سعره الحالي يجعله عزيز المنال ) .
لا أحد عاد يحتفل شعبيا بالذكرى سوى في القرى حيث تقام ليلة لتلاوة القرآن الكريم ، وتوزع الحلوى ، وقليل من " يذكر" بجسده ، ولا أعرف سببا محددا جعلهم يذكرون من أ ربعين عاما ولا علم لي بالسبب الذي جعلهم يتوقفون تماما عن ذلك الفعل الطقسي الغريب الذي ارتبط في الأذهان بذكرى مولد الرسول الكريم ؟
لماذا كفوا الآن عن " الذكر " بالطريقة التي صورتها وباتوا يتلاقون في هدوء وبلا ضجة احتفالية كنا نفرح لها كأطفال ، وننتظرها من عام على عام ؟