المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السَّمكةُ و الخاتَمُ الذَّهبيُّ


كسر الظلام
04-18-2006, 06:23 PM
السَّمكةُ و الخاتَمُ الذَّهبيُّ





في يومٍ منَ الأيامِ ، كان يعيشُ في الشَّمالِ الغربيِّ سيِّدٌ غنيُّ جداً ، و كانَ هذا السِّيدُ ساحراً يعرفُ مُستقبلَ النَّاسِ.
عندما بلغَ ابنُهُ الرَّابعةَ عشرةَ من العُمرِ، نظرَ السَّيِّدُ في كُتُبِ المستقبلِ ، و قرأَ مستقبلَ ابنِهِ. وعرِفَ أنَّه سيتزوَّجُ منْ فتاةٍ فقيرةٍ جداً ، وُلِدَتْ للتَّوِّ في البلدةِ المجاورةِ ، و عرفَ أيضاً ، أنَّ لوالدِها خمسةُ أولادٍ آخرينَ ، ولِدوا قبلَها. فركِبَ حصانَهُ ، و توجَّهَ إلى البلدةِ المجاورةِ و فتَّش عن منزلِ الرَّجلِ الفقيرش حتى وجدَهُ يجلسُ على كُرسيِّ متهالكٍ، أمامَ منْزلِهِ القديمِ ، والدموعَ تنهمرُ على خدَّيهِ من الحُزنِ .

سأله السَّيِّدُ عن سببِ بُكائِهِ ، فأجابَ:
- لديَّ خمسةُ أولادٍ ، و اليومَ رُزِقْتُ بالولدِ السَّادسِ ، إنَّها بنتٌ ، و وِلادتُها سببُ بكائي ، لأنَّني فقيرٌ ، لا أعرفُ كيفَ أتدبَّرُ ثمن خبزٍ يسُدُّ أفواهَهُم الجائعةَ!

قال السَّيِّدُ الغَنِيُّ:
- لا عليكَ ، إذا كانتْ هذه مشكلتُك فالحلُّ عندي ، أعطِنِي الطِّفلةَ الجديدةَ ، و أنا سأهتَمُّ بأمرِها، و لا تفكِّرْ بها أبداً.

شكرَهُ الأبُ الفقيرُ على فضلِهِ و كرمهِ ، و أعطاهُ المولودةَ الصَّغيرةَ ، و ودَّعَهُما ، والابتسامةُ تعلو وجهَهُ ظنَّاً منْهُ أنَّ ابنتَهُ ستعيشُ في منزلِ هذا السَّيِّدِ الغنيِّ حياةً سعيدةً.

عندما حصلَ السَّيِّدُ الغنيُّ على الطِّفلةِ الصَّغيرةِ ، قادَ حصانَه نحوَ بلدتِهِ ، و في الطَّريقِ سارَ بمحاذاةِ النَّهرِ ، فألقاها فيهِ و مضى في سبيلِهِ ، معتقداً أنَّ النهرَ سيبتلِعُهَا ، و سوف تموتُ قبلَ أنْ تقطعَ مسافةً طويلةً ، لكنَّ ثيابَها القماشيَّةَ التي تلفُّها بإحكامٍ كانتْ كالزَّورقِ الذي يحميها من الماءِ ، و يمنعها منَ الغوصِ ، بل قادَهَا تيَّارُ النَّهرِ على سطح مائِهِ، حتى علِقَتْ بأعشابٍ طويلةٍ ، و نباتاتٍ تنمو على ضفَّةٍ قريبةٍ من بيتِ صيَّادٍ ، كانَ يصيدُ السَّمكَ ، فسُرَّ بِها سروراً عظيماً، لأنَّه ليسَ لدَيْهِ أولادٌ ، فحملَهَا برِفْقٍ ،و حنانٍ إلى زوجتِهِ ، الَّتِي اهتمَّتْ بِها، وربَّتْها أحسنَ تربيةٍ، و علَّمَتْها فنونَ الطَّبْخِ ، حتَّى صارَتْ شابَّةً شقراءَ ، ذهبِيَّةَ الشَّعرِ، فاتنةَ الجمالِ.

في أحدِ الأيَّامِ كان السَّيِّدُ الغنيُّ معَ بعضِ رجالِهِ ، يقومون برحلةِ صيدٍ على ضفافِ النَّهرِ، و كانَ الطَّقسُ حارَّاً فشعَرُوا بالعطشِ الشَّديدِ ، ووتوجَّهُوا نحوَ منْزلٍ قربَ النَّهرِ، ليشربُوا الماءَ ، من يدِ صبيَّةٍ حسناءَ رائعةَ الجمالِ ، في الخامسةِ عشرَ من عُمُرِها.

أُعجِبُوا جميعاً بجمالِها الآخذِ للألبابِ ، فطالبُوا السَّيِّدَ الساحرَ بالكشفِ عن مستقبَلِها ، ومنْ سيكونُ صاحبُ الحظِّ السَّعيدِ بالزَّواجِ مِنْها.

قالَ السَّيِّدُ الساحرُ: هذا سهلٌ جداً أيُّها الرجالُ ، تعالَوا قريباً ، و أنتِ أيَّتُها الفتاةُ الحسناءُ اقتربي ، و أخبريني متى وُلِدْتِ؟
قال الفتاة :
- لا أعرفُ ، لكنَّ صاحبَ هذا البيتِ الذي ربَّاني يقولُ أنَّه انتشلَني من النَّهرِ قبلَ خمسَ عشرةَ سنةً مَضَتْ.

عرفَ السَّيِّدُ في الحالِ من تكونُ هذه الفتاةُ ، فرحل برجالِهِ ، بعدَ أنْ أخبرهم قصةً ملفقةً عن مستقبلِها ! ثمَّ عادَ وحيداً، بعد يومين ليقولَ لها:
- سأصنعُ لك غداً مشرقاً ، أيتها الحسناءُ ، خُذي هذه الرسالة، و أعطِها لأخي في القلعةِ البحريَّةِ ، و هو سيهتمُّ بك طوالَ حياتِكِ.

أخذتِ الفتاةُ الرسالةَ و قالت للسيد:
- شكراً لك يا سيدي ، سأذهبُ غداً لأخيكَ في القلعةِ البحريةِ.

( و الآن لنقرأ ماذا كتب في الرسالة:
أخي العزيز:
خُذِ الفتاةَ حاملةَ الرسالةِ ، و اقتُلْهَا في الحالِ.
أخوكَ المخلصُ )

في اليومِ التَّالي ،حملَتِ الفتاةُ المسكينةُ رسالةَ موتِها و انطلقت إلى القلعةِ البحريةِ البعيدةِ، دون أنْ تقرأ ما فيها، و في الطريق نزلَتْ في أحدِ الفنادقِ الصغيرةِ لتنامَ الليل، ثم لِتُتَابعَ طريقَها صباحاً إلىالقلعةِ.

عند منتصفِ اللَّيل ، و بينما كانَتْ الفتاةُ نائِمةً ،دخلَ بعضُ اللُّصوصِ غُرفَتَها لسرقتِها، وبعد تفتيشِ ملابسِها لم يعثُروا على نقودٍ كثيرةٍ ، فعرفُوا أنَّها فتاةٌ فقيرةٌ ، كان في جيبٍ لها رسالةٌ واحدةٌ شدَّتِ انتباهَ زعيمِ العِصابةِ، فقرأَها، ثم همسَ : " يا للفتاةِ المسكينةِ!" ثم أخذَ قلماً وورقةً، و كتبَ رسالةً بديلةً جاء فيها:

( أخي العزيز:
خذْ حاملةَ الرسالةِ ، و زوِّجْهَا من ابني حالاً.
أخوكَ المخلصُ )

ثم وضعَ الرسالةَ الجديدةَ مكانَ الرسالةِ الأولى, وغادرَ مع رجالِهِ، و الفتاةُ ما تزالُ نائمةً ، لأنَّها كانَتِ متعبةً جداً، بسبب ِمشقَّةِ السَّيرِ الطَّويلِ على قدميْها.

كان الأخُ فارساً مسؤولاً عن حمايةِ القلعةِ البحريةِ ، و كان ابنُ السيدِ الغنيِّ يعيشُ في القلعةِ البحريةِ عندَ عمِّه في تلك الفترةِ من الزمنِ.

بعدما أعطَتْهُ الفتاةُ الرِّسالةَ ، أمرَ الخدمَ لإقامة حفلةِ العرسِ مباشرةَ بعدَ مغيبِ الشَّمسِ ،لأنه أخٌ مطيعٌ ، فأُقيمَ عِرسٌ بهيجٌ ، و تزوَّجَ الشَّابان ، وأحبَّ أحدُهما الآخرَ حباً جمَّاً.

في اليومِ التَّالي، حضرَ السَّيِّدُ إلى القلعةِ ، ففُوجيءَ بالفتاةِ الفقيرةِ أمامَهُ ، و قد أصبحَتْ زوجةً حقيقيةً لابنه ، فصمَّمَ على تنفيذِ فكرةٍ سيِّئَةٍ جداً ، و طلبَ من الفتاةِ المسكينةِ مرافقَتَهُ في نُزهةٍ، إلى الجبلِ المطِلِّ على البحرِ ، قربَ الهاويةِ السَّحيقةِ.

عندَما وصلا حافَّةَ الجَرفِ الصَّخْرِيِّ نظرَ حوالَيْهِ ، فلمْ يرَ أحداً ، فأمسكَهَا بذراعَيْهَا محاولاً رمْيَها في البحرِ العميقِ ، لكنَّها تشبَّثَتْ بثيابِهِ، و هي تبكي، و تتوسَّلُ إليه، كي يترُكَها تعيشُ ، و قالَتْ له:
- أرجوكَ يا سيدي ، لم أفعلْ شيئاً سيئاً في حياتي، اتركْني أعيشُ ، و أصبحُ خادمةً لك ولابنِكَ؟

تركَهَا السَّيِّدُ ، و لَمْ يُلْقِهَا في البحرِ ، بل طلبَ منْها أنْ لا تُرِيَهُ وجهَهَا أبداً ، ثمَّ فكَّرَ قليلاً ، وخلعَ خاتَمَهُ الذَّهَبِيَّ مِنْ بُنْصُرِهِ ، و قذفَهُ في اليَمِّ ، و هو يقولُ:
- لا تُرِنِيْ وجهَكِ إلا إذا استطعتِ الحصولَ على هذا الخاتمِ من البحر .

رحلَتْ الفتاةُ و هي تبكي حظَّها، و مشَتْ ، لا تدري إلى أينَ تذهبُ ، حتى وصلَتْ إلى حِصْنٍ منيعٍ ، طلبَتْ فيهِ العملَ خادمةً مقابِلَ أنْ يتركُوْهَا تعيشُ لديهم. فأرسلُوها إلى المطبخِ بعد أنْ اكتشفُوا موهبَتَها في الطَّبخِ اللَّذيذِ.

في أحدِ الأيَّامِ ، حضرَ السَّيِّدُ و ابنُهُ إلى الحُصنِ تلبيةً لدعوةِ آمرِ الحصنِ على الغداءِ ، شاهدَتْهُمُ الفتاةُ ، فخافَتْ ، و احتارَتْ ماذا تفعلُ كيلا يراها السَّيِّدُ ، و يدبِّرُ لها مكيدةً جديدةً يقتلُهَا فيها. فقرَّرَتِ البقاءَ في المطبخِ ، لأنَّه لنْ يُفكِّرَ بالدُّخولِ إِليهِ.

كانَ عليها أنْ تُنَظِّفَ السَّمكةَ الكبيرةَ ، و تجعلَ منها وليمةً كبيرةً شهيَّةً لآمرِ الحِصنِ وضيوفِهِ، و بينما كانَتْ تُنَظِّفُ السَّمكةَ فُوجِئَتْ بشيءٍ قاسٍ في مَعِدَتِهَا، انتزعَتْهُ ، وكادَتْ أن تصرخَ من الفرحِ ، لقد كانَ خاتمَ السَّيِّدِ الذَّهَبِيَّ ، الذي ألقاهُ في البحرِ ، و حذَّرَهَا بشيءٍ ظنَّهُ مستحيلاً ، وهو عدمُ رُؤْيَتِها إلا و الخاتمُ معَها. فصمَّمَتْ أنْ تكونَ السَّمكةُ ألذَّ سَمكةٍ يتناولهُا السَّيِّدُ و ابنُه الذي كان زوجَها .

عندَما انتهَتْ من طهوِ السَّمكةِ أخذَهَا الخدمُ ، وقدَّمُوها على طبقٍ كبيرٍ من الفضَّةِ ، تُزيِّنُهُ المقبِّلاتُ اللَّذيذةُ ، تُحيطُ السمكةَ منْ كلِّ جانبٍ .

أُعجِبَ الضُّيوفُ بالسَّمكةِ اللَّذيذَةِ ، فأَكلُوْا بِنَهَمٍ شديدٍ ، لأنَّهُمْ لَمْ يَتَذَوَّقُوا سَمكةً أَلَذَّ وَأَطْيَبَ من هذِهِ السمكةِ ، فسألَ السَّيِّدُ آمرَ الحُصنِ:
- منْ طبخَ السَّمكةَ اللذيذةَ؟

أجابَ آمِرُ الحِصْنِ :
- لسْتُ أدري
ثُمَّ طلبَ من الخدمِ إرسالَ الطَّاهيةِ ، التي طَهَتِ السَّمكةَ. فنَزلَ الخدمُ ، و أخبرُوْا الفتاةَ أنَّ السَّيِّدَ و ضُيُوْفَهُ يريدونَ أنْ تصعدَ إلَيْهِم في الصَّالةِ العُليا ، حيثُ يتناولُونَ الطَّعامَ .

ارتَدَتِ الفتاةُ أجملَ ملابسِها ، و وضعَتْ الخاتمَ في إصبعِها الوُسطى ، لأنَّهُ كانَ واسعاً على بُنْصُرِهَا، ثُمَّ صعدَتْ إِلى الصَّالةِ.

فُوجيءَ الضُّيوفُ بالطَّاهيةِ ، فهي صغيرةُ السِّنِّ و جميلةٌ ، و ليسَتِ امرأةً كبيرةً ، أو عجوزاً كما توقَّعُوا.

أمَّا السَّيِّدُ فقدْ عرِفَها فوراً ، و غَضِبَ غضَبَاً شديداً ، و أرادَ أنْ يضرِبَها، لكنَّها لَمْ تَخَفْ مِنْهُ هذِهِ المرَّةَ ، بلِ اقترَبَتْ ، و هي تَنْزَعُ ببطءٍ الخاتَمَ منْ إصبَعِها، و تضعَهُ على الطَّاولةِ أمامَهُ.
فُوجِيءَ السَّيِّدُ بالخاتمِ أمامَهُ ، و قدْ تأَكَّدَ أنَّهُ خاتَمُهُ بعينِهِ ، و أنَّ القدرَ محتومٌ ، لا يُمْكنُ أنْ يُغيِّرَهُ ، فانتصَبَ واقفاً ، و خاطبَ الجميعَ :
- صحيحٌ أيُّها السَّادةُ أنَّ المكتوبَ على الجبينِ يجبْ أنْ تراهُ العينُ " ، و طلبَ منَ الفتاةِ الجلوسَ معَهُم على المائدةِ ، و أخبرَ الجميعَ قصَّتَهَا ، و أنَّها زوجةُ ولدِهِ الحقيقيةُ.

ثُمَّ أخذَها معَهُم ، و عاشَتْ مع زوجِها الشَّابِّ بسعادةٍ و حبِّ

ملك النور
04-20-2006, 02:04 AM
شكرااااااا لك على القصة المؤلمة والقصة الممتعة